صراع بين الحِلْم والواقع:

كان الحلم الأكبر لكل مصري محب للغة العربية أن يرى مجمعًا بمصر يحفظ اللغة العربية من الضياع، ومن العبث بها، ومن محاولات الإنجليز المستمرة آنذاك لصُنع قواعد للهجة المصرية لتحل محل اللغة العربية بدعوى باطلة، وزعم ليس وراءه إلا القضاء على اللغة والقرآن الكريم، فها هو  ذا القاضي البريطاني "ولكوكس" يضع بالفعل قواعد للهجة العامية، ويبدأ أناس من بني جلدتنا يصفقون ويهللون لهذا العمل، وما هم إلا أذيال للإنجليز، أو كارهون للإسلام ولغته، فعلا صوتهم بدعواهم الباطلة وزعمهم الكاذب، فأذاعوا بين الناس أن اللهجة المصرية هي اللهجة اليسرى على الألسن، وهي التي يتحدث بها المصريون، ويعرفها العرب جميعًا، فلِمَ لا تكون هي اللغة الرسمية بدلاً من اللغة الفصحى التي لا يتحدث بها إلا القليل، ولا يتقنها إلا أقل القليل، وتنـاثـرت أقـوالـهم البغيضة، ودوَّت في آذان المخلصين للوطن والمحبين للغــة العربيــة، والمتمسكين بالدين، والفاهمين أن اللغة هُوِيّة تُعرِب عن أرض صاحبها وصفاته وأخلاقياته، وتجمع العرب أجمعين على لسان واحد. فحارب أولئك المخلصون هذه الفكرة، وبدأ الجميع يدافع عن اللغة، كل بطريقته وأسلوبه.

وتصدَّى لفكرة المستغربين كثير من الشعراء والمثقفين، فتركوا العنان لأقلامهم وألسنتهم، ولم يألُ جهدُهم عن محاربة تلك الفكرة، فماتت ولم تكتب لها الحياة، وعندئذ لم ينم أصحاب المبادئ الكريمة والأفكار العظيمة، واعتبروا أن تلك الفكرة الفائتة الميتة ستعود إن لم يكن هناك مجمع يمنعها من الظهور ثانية، ويعمل على حفظ اللسان والهوية، فإذا كان النيل هو سر الحياة للمصـــريين ودول حـــوض النيل، فاللغــة العربية هي سر الحياة للمصريين والعرب أجمعين، فإذا ماتت ماتوا، وإذا عادت عادوا، وإذا ذاع صيتها ذاع صيتهم، كما كانت وكانوا إبَّان تقدُّم العرب في كل العلوم، وهنا تعالت أصوات المحبين تدعو إلى إنشاء مجمع، وساروا نحو تحقيق الحلم، وبدأت الخطوات الجادة تلمس أرض الواقع، وأصبحت العقول المصرية الوقادة توقد لها الطريق، وترسم لها النهج السويَّ، فكان مجمع البكري سنة 1892م.

اجتمع أدباء مصر ومفكروها العظام في دار آل البكري بالقاهرة، وناقشوا الفكرة، فاتفقوا على إنشاء أول مجمع في تاريخ مصر والعالم العربي، فبدأ تكوُّنه عام 1892م.

وضمَّ فحولاً من أعلام مصر وعلمائها، منهم: الشيخ محمد توفيق البكري، والشيخ محمد عبده، واللغوي العظيم محمد الشنقيطي، وقد عقد هذا المجمع عدة جلسات، ولكنه توقف، ولكن الجهود لم تتوقف، فأبناء دار العلوم قرروا في ناديهم أن يعيدوا العمل المجمعي فعرضت قضايا تخص موقف اللغة العربية من المعرَّب والدَّخيل الوارد إلينا من الكلمات الأجنبيـة، فعقـدت نـــدوة   أوصت بأن يُسمح للغة العربية أن يدخلها كلمات أجنبية إذا ما دعت إلى ذلك ضرورة،وقد علَّمنا القرآن الكريم ذلك، فقد وردت به كلمات أجنبية، مثل: سندس وإستبرق، ليعلمنا أن اللغة العربية كائن حيّ يَفيد ويُفيد، يأخذ ويُعطي، ولم يتيسر لهذه الجماعة اللغوية التي كانت تضم الدكتور حفني ناصف، والشيخ محمد الخضري، والشيخ طنطاوي جوهري أن تكوِّن مجمعًا طالما عاشت ترجو إنشاءه.

ولكن الجهود تتضافر في عام 1916م، وينشأ مجمع يُسمَّى "مجمع دار الكتب" لأنه أنشئ بدار الكتب المصرية، وكان مجمعًا أهليًّا دعا إلى تكوينه الأستاذ أحمد لطفي السيد الذي كان ــ وقتئذ ــ مديرًا لهذه الدار، وشاركه في البحوث لفيف من علماء عصره وأدبائه، وتألَّف من ثمانية وعشرين عضوًا وكان رئيسه شيخ الأزهر آنذاك الشيخ سليم البشري، وكاتبَ سرِّه الأستاذ أحمد لطفي السيد، وعُني هذا المجمعُ بالألفـاظ الدالة على الحضارة والحياة العامة، ولكن سرعان ما انفضَّ هذا المجمع إبان ثورة 1919م، وحاول العودة مرة أخرى في سنة 1925م، ولكن انفرط عقده بعد أول جلسة.

ميلاد مجمع اللغة العربية:

أذِن ربُّ العزة أن يكلِّل جهود أبناء مصر المخلصين ومساعيهم فكان مجمع اللغة العربية، فقد صدر المرسوم الملكي عام ألف وتسعمئة واثنين وثلاثين بإنشاء مجمع لغويٍّ يحافظ على سلامة اللغة العربية، ويجعلها وافيةً بمطالب العلوم والفنون، ومستحدثات الحضارة المعاصرة، وأن يعمل على وضع معجم تاريخيٍّ لغويٍّ، وأن يُعنى بدراسة اللهجات العربية الحديثة في مصر وغيرها من البلاد العربية، وأن يُصدر مجلة تنشر بحوثًا لغوية، وأن يُعْنى بتحقيق نفائس التراث العربي التي يراها ضرورة لأعماله ودراساته اللغوية، ولوضع المعاجم.

وكان المجمع من أول يوم عالميًّا، حيث نُصَّ في المرسوم نفسه على أن يتكون المجمع من عشـرين عضوًا عاملاً   من بين العلمــاء المعــروفين بتعمقهم في اللغة العربية أو ببحوثهم في فقهها ولهجاتها، دون تقيد بالجنسية، وأجاز المرسوم اختيار أعضاء فخريين ومراسلين.

الجيل الأول من المجمعيين:

بعد صدور القرار بأن يكون عدد أعضاء المجمع عشرين، صدر مرسوم ملكي في شهر أكتوبر سنة 1933م، بتعيين عشرين عضوًا من العرب والمستعربين كانوا هم الجيل المؤسس للمجمع، وكانت أسماؤهم لامعة في سماء العالم كله، وهؤلاء هم:

الأستاذ محمد توفيق رفعت (رئيس المجمع)، الدكتور منصور فهمي(كاتب سر المجمع) والأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين، والأستاذ الشيخ إبراهيم حمروش، والأستاذ أحمد الإسكندري، والأستاذ علي الجارم، والأستاذ الشيخ حسين والي، والأستاذ أحمد العوامري، والدكتور فارس نمر، والحاخام حايم ناحوم، والأستاذ حسن حسني عبد الوهاب  (تونـس)، والأسـتاذ محمد كــرد علي (ســورية)، والأسـتاذ الشيخ عبد القادر المغربي (سورية)، والأب أنستاس ماري الكرملي (العراق)، والأستاذ عيسى إسكندر المعلوف (لبنان)، والأستاذ هاملتون ألكسندر جب (بريطانيا)، والدكتور أوجست فيشر (ألمانيا)، والأستاذ لويس ماسينيون (فرنسا)، والأستاذ كارلو ألفونسو نللينو (إيطاليا)، والأستاذ أ.ح. فنسنك (هولندا) (وقد عيِّن بدلاً منه  ــ بعد ثلاثة أشهر  ــ المستشرق الألماني إنو ليتمان).

بدء العمل الفعلي لمجمع الخالدين:

انعقدت أول جلسة لمجمع الخالدين في اليوم الثلاثين من شهر يناير 1934م، فبدأ الأعضاء يكوِّنون اللجان العلمية واللغوية، ووضعت لائحة المجمع الداخلية التي بمقتضاها يسير العمل، وبدأ العمل باستكمال الأجهزة الفنية والإدارية، وصدر عن المجلس عشرون قرارًا من شأنها تيسير اللغة وقواعدها، وأباحت التعريب، واستعمال الألفاظ المولدة، وأجازت الاشتقاق من أسماء الأعيان ما دام ذلك في خدمة العلوم. وتحقق على أيدي هذا الجيل المؤسس ما لم يكن يتصوّره عقل، فسـرعان ما وُضِعت الأسماء للمخترعات، واتسعت أوزان الآلة لتستوعب الآلات الحديثة.

بعد ميلاد مجمع اللغة العربية المصري، وصدور قرار ملكي بتعيين أعضائه، بدأ العمل الفعلي للمجمع في اليوم الثلاثين من شهر يناير سنة 1934م، وصدر عشرون قرارًا عن أعضائه المؤسسين من شأنها تيسير اللغة العربية وقواعدها، وتحقق على أيدي هذا الجيل مالم يكن يتصوّره عقل.