لجنة الألفاظ والأساليب


شاع في الاستعمال المعاصر كثيرٌ من الألفاظ والأساليب، بعضها موافق لقواعد اللغة العربية، وبعضها خرج عن المألوف. ولم يكن المجمع ليقف مكتوفَ الأيدي أمام هذا الأمر، فقد سارع إلى إنشاء لجنة (الألفاظ والأساليب)، تختص بمتابعة الواقع اللغوي، وما يطرأ عليه من ألفاظ وأساليب جديدة، وبيان ما صحَّ منها، وما خالف قواعد اللغة العربية.

وسوف نقدم في هذا العدد، وما يليه من أعداد، مجموعــةً من الألفــاظ والأســاليب التي أجازها المجمع.

وقد راعينا في اختيارنا للألفاظ التي سنتعرض لها مدى شيوعها وترددها في واقعنا المعاصر. ومن هذه الألفاظ والأساليب ما يلي:

ـ (أبدًا) في معنى النفي

   يرى المجمع أنه يجري في الاستعمال العصري مثل قولهم: "لم أفعل هذا أبدًا"، ويأخذ النقاد النحاة على هذا الاستعمال أن (أبدًا) تستعمل ظرفًا مُنَكَّرًا لتأكيد الإثبات أو النفي في المستقبل، والفصيح أن يقال: لم أفعل هذا قطُّ، ولا أفعله أو سأفعله أبدًا.

واللجنة ترى جواز الاستعمال العصري؛ فقد أثبتت اللغة من معاني (الأبد) الدهر مطلقًا، أو الدهر القديم أو الطويل، وورود (الأبد) في الشعر المستشهد به بمعنى الزمن الماضي، ووروده بهذا المعنى في المثل السائر: "طالَ الأبدُ على لُبَد"، وكذلك ورد (الأبد) ظرفًا مُنَكَّرًا لتأكيد الماضي المنفي في قول المتنبي:

لم يخلق الرحمنُ مثل محمدٍ

أبــدًا وظنِّي أنـــه لا يُخْلَقُ

ـ المديونية

يشيع استعمال مصطلح (المديونية) في لغة القضاءِ المدني مرادًا به حالة كون الإنسان مدينًا، وفي رأي بعض النقاد أنه خطأ على أساس أنًّ القياس في اســم المفعول من (دان) هــو (مدين)؛ فيجب أن يكون (مدينية) لا (مديونية).

  وبدراسة المسألة وجدت اللجنة أنَّ بعض قبائل العرب تجري في لغتها على التصحيح في صيغة اسم المفعول من الثلاثي المعتل بالياء، وقد نصت المعجمات على صيغة (مديون) بالتصحيح. وعلى ذلك تكون (المديونية) مصدرًا صناعيًّا.

   ولهذا يرى المجمع أن لفظ (المديونية) صحيح لا بأس باستعماله.

ـ سعر التكلفة

يشيع في اللغة التِّجَاريَّة المعاصرة قولهم: "هذا سعر التَّكلِفة) يريدون به الثمن الذي أُنْفِقَ في صنع السلعة أو نقلها.

وقد يرد على الاستعمال المعاصر أن الكلمة لم تأت بهذا المعنى في معجمات اللغة، غير أن هذه المعجمات ذكرت أن التَّكليف هو الأمر بما يشق، وكلَّفه الأمرَ فتكلفه، أي تجشمه، وحمَّلته تكلِفة، إذا لم تطقه إلا تكلفًا.

وترى اللجنة أن (سعر التَّكلِفة) مأخوذ من حمَّلته تكلِفة بالمعنى المتقدم، وعلى أساس أن السلعة كلفت صاحبها جهدًا ومالاً وعناية، وعلى هذا يكون استعماله صحيحًا في هذا المعنى الذي يستعمله المعاصرون فيه.

ـ (استجمع) في قولهم: استجمع قواه

يشيع استعمال هذا اللفظ كثيرًا في لغة المعاصرين في مثل قولهم: استجمع فلان أفكاره. وهو ما يعترض عليه يأن صيغة (استجمع) لم ترد في معجمات اللغة إلا لازمة؛ يقال: "استجمع السيل، أي تجمع في كل صوب".

وقد درست اللجنة هذا ثم انتهت إلى أن اللفظ يمكن قبوله على أساس أن السين والتاء فيه للطلب المجازي أو التقديري، فكأن فلانًا يستدعي أفكاره ـ أو قوله   ـ لتجمع، وقد أثبت فريق من كبار النحاة أن الطلب يكون بهذا المعنى الذي تستند اللجنة إليه في توجيه اللفظ، كما أن دلالة السين والتاء على الطلب قياسية في قرارات المجمع. هذا إلى جانب أن صيغة (استفعل) تأتي بمعنى (فعَل)، ومن أمثلة ذلك: علا واستعلى، فتح واستفتح، نسخ واستنسخ.

ولهذا كله ترى اللجنة أن استعمال هذا اللفظ صحيح في المعنى الذي يُستعمل فيه.

 ـ مناورة

يشيع في لغة الجيش وغيره مثل قولهم: "قام الجنود بمناورة حربية". ومثل ما يتردد في لغة السياسة من قولهم: "هذه مناورة سياسية.

وقد يعترض على اللفظ في استعماله المعاصر بعدم وروده بالمعنى العسكري أو السياسي في معجمات العربية.

درست اللجنة هذا ثم انتهت إلى إجازة استعمال لفظ (المناورة) بدلالته الحربية والسياسية على أحد وجهين:

أولهما: أن اللفظ معرب، وقد أشار المعجم الوسيط في طبعته الثانية إلى أنه معرَّب.

والوجه الثاني: أن للمناورة معنًى آخر هو الدهاء، فهي من مادة: (ن و ر) التي تحمل معنى الخداع والحيلة، ومعلوم أن وزن المفاعلة شائع في العربية، مثل: المداورة، والمراوغة، والمشاورة، والمحاورة.