(الجامعات العربية ودورها في تعليم اللغة العربية) للأستاذ الدكتور. عبدالعزيز المقالح


 

 

الجامعات العربية

ودورها في تعليم اللغة العربية

 

د. عبدالعزيز المقالح


مقدمة

السؤال الذي لن يفاجئ المتابعين لأحوال التعليم العام في الوطن العربي هو : هل ستتحول الجامعات العربية في الأقطار العربية العاجزة عن الارتقاء بالتعليم العام إلى كتاتيب مهمتها تعليم القراءة والكتابة ؟! والإجابة عن هذا السؤال بـ "نعم" كبيرة هي الأكثر دقة ووفاء بمواجهة الحالة الراهنة. وأعتقد أن المحور الرابع من محاور مؤتمر المجمع في هذه الدورة قد انطلق من الإحساس بما وصل إليه حال تدريس اللغة العربية في التعليم الأساسي والعام وما تواجهه الجامعات نتيجة ذلك من قصور فاحش لدى الملتحقين بها في أبسط القواعد وأقلها تعقيدًا.

ومن الحقائق التي صارت ثابتة ومتفقًا عليها بالإجماع أن اللغة –أيّة لغة- كائن حي في المجتمعات الحيّة المتقدّمة، وكائن بين الموت والحياة في المجتمعات المتخلّفة. ويلاحظ أن أبناء المجتمعات المتطوّرة يحرصون على أن تشاركهم لغتُهم رقيَّهم وتطوّرهم وأن تساير مستجدات الحياة وإنجازاتها، وعلى العكس حال أبناء المجتمعات الأخرى التي تتجمد فيها الحياة وتبطئ في الاستجابة والتأثر بما حولها فإنهم لا يعطون لغتهم ما تستحقه من عناية، ولا حاجة بهم للغة متطورة، إذ قد تكفي لغة الإشارة لتحقيق الهدف اليومي المحدود. وفي المجتمعات الحديثة المتجددة لا تكون المدارس والجامعات والمعاهد وحدها هي المسؤولة عن العناية باللغة، كل إنسان متعلم، وكل من تناط به المسؤولية في أي مرفق من مرافق الدولة، التربوية منها وغير التربوية، معني باللغة وسلامة كتابتها في المعاملات اليومية، ولا مكان لأية لغة أخرى سواء كانت المعاملة سياسية أو اقتصادية أو أدبية أو وظيفية بوصفها التعبير الأول عن الهوية الوطنية والقومية، وبوصفها أيضًا علامة مهمة من علامات الرقي أو الانحطاط. إن اللغة –أي لغة- تصاحب مسار الناطقين بها صعودًا أو هبوطًا، سلبًا أو إيجابًا.

ومن هنا فإن الحديث عن دور الجامعات العربية في إنقاذ اللغة العربية وانتشالها مما وصلت إليه من تخلف في المجتمع ومن إهمال في المؤسسات التعليمية التي استمرت في الهبوط ولم تشهد منذ خمسين عامًا على الأقل تطورًا بل تراجعًا، وكانت البداية ربما في عدم جعل الفشل في مادة اللغة في الشهادة الثانوية رسوبًا، ربما كان ذلك بداية الامتهان لمكانة اللغة. ولعل المحاولات التي تتم هنا وهناك لمجاوزة هذه المعضلة محكوم عليها مقدمًا بالفشل لمجموعة من الأسباب منها أنها تتم في حقل المؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات وخارج نطاق المتابعة الجادة ولا تشارك فيها بقية المؤسسات التي من المؤكد أنها ترغب في الاستفادة من مخرجات هذه المؤسسات التعليمية، يضاف إلى هذا السبب الرئيس سبب آخر هو: أن الإصلاح لا يكون انتقائيًا ومعزولًا عن مشاركة كل مرافق الدولة المعنية. سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية. وفي الصفحات القليلة الآتية بعض الملاحظات التي تحتاج إلى تعميق وتسديد لتكون قادرة على إيقاظ الوعي النائم تجاه قضية تلامس حاضر الأمة ومستقبلها.

تؤطئة

قد لا أكون مخطئًا ولا متجنيًا إذا ما قلت إن ظهور الجامعات العربية جاء تقليدًا ومحاكاة للآخر الأجنبي، والأوروبي على وجه الخصوص، ولم يأت تلبية لحاجات المجتمعات العربية إلى المعرفة في شكلها المنظم والهادف إلى إنشاء أجيال متعلمة تتولى مسؤولية النهوض والخروج من مأزق التخلف الذي طال. ولهذا فقد عجزت الجامعات العربية على كثرتها وتعدد مساراتها في الآونة الأخيرة عن تمثل المعنى الذي تم إنشاؤها من أجله، والدليل على ذلك أنه لم يسبق إنشاء هذه الجامعات تصورٌ علمي مدروس وفقًا لمنهجية قومية واضحة المعالم تؤكد حقيقة عروبة هذه الجامعات من خلال الإجماع على أن التدريس فيها سيكون باللغة العربية، وفي كل الكليات وأن الارتقاء باللغة العربية سيكون جزءًا رئيسًا من رسالتها في الحياة وفي المجتمع.

ربما تكون بعض الجامعات العربية الأولى في الإنشاء قد ظهرت في مرحلة كان قادة الرأي فيها يحرصون على إعداد جيل شغوف باكتساب المعرفة في إطارها الحديث ولم يأخذوا في تصورهم ولا في إدراكهم تجربة الماضي التي غيبتها قرون من الجهل والانحطاط، وكيف أن تلك التجربة كانت هي الأساس الذي استلهمتها الدول الأوروبية في بداية نهضتها، ولهذا فقد ظل الهدف الأساسي من إنشاء جامعاتنا العربية غائمًا، وبمرور الوقت صار كل شيء -بحكم الواقع- على ما يرام بما في ذلك تجاهل لغة التدريس في وطن يتكلم العربية ويعتز بموروثها الثقافي والحضاري رغم القطيعة التي تم تجاوزها شكلًا، وكان على الجامعات التي حققت هذا التجاوز المحدود أن تعمل على ردم الهوّة التي تفصل بين ما هو حي في التراث وقابل للتطور وما هو غث ومعيق للتقدم بدلًا عن التجاهل واستمرار القطيعة، وبدأ الحال وكأنه لم يعد في الوقت ما يكفي لإعادة النظر في قوانين الإنشاء بعد أن دارت العجلة وصارت العملية التعليمية بكل مستوياتها روتينية أدت في نهاية المطاف أو في وسطه إلى هذا الكم من المتعلمين وأنصاف المتعلمين غير المنتجين والذين يفتقرون إلى أبسط معاني المعرفة، وهو امتلاك الحد الأدنى من قواعد لغتهم التي تؤكد قوانين إنشاء بعض الجامعات أنها لغة التدريس ووسيلة التعلم في جميع المراحل ابتداء من رياض الأطفال إلى الجامعة.

وإذا كنا الآن نشكو وبصوت واحد من قصور التعليم في مستوياته المختلفة، فكيف فات ذلك على القيادات السياسية والتربوية ولم تسارع إلى إيقاف ذلك العبث والإهدار من زمن بعيد. وفي هذا الصدد، قد لا أكون مخطئًا إذا ما قلت إن التعليم التقليدي الذي نشأ عليه أسلافنا في أزمنة الازدهار وأفاد منه الآخرون كان أجدى، واستطاعت من خلاله بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة والقيروان أن تقدم روادًا في العلم والفكر والإبداع الأدبي والفني، ونجحت في أن تعد أجيالًا من القيادات السياسية وعددًا من الأطباء والفلاسفة والمخترعين. هل كان رجال ذلك الزمان، زمان المؤسسات التعليمية التقليدية، نوابغ واستثنائيين في تلقي المعرفة، وإن قادة تلك العهود كانوا من صنف بشري يختلف عقليًّا وإدراكيًّا عن قادة العهد الحديث من عرب القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين ؟! أم أن الاختلاف يقوم في أن الأولين تمكنوا من التقاط شروط التغيير كما ينبغي أن تكون، في حين فشل المعاصرون في ذلك؟

لعل الخوف الذي يتملك البعض من الإقبال على قراءة الحاضر بمنظور ماضوي موضوعي وتحليلي قد أدّى إلى ما نحن عليه من مراوحة في دائرة لا نتعداها إلاَّ إلى الخلف، وهذا الموقف الخائف يقف وراء التردد الذي يصاحب البحث عن الحقائق خارج منطق معادلة الأمس / اليوم / الغد. ومن يتابع خطوات الفئة التي تبحث عن المستقبل في المستقبل وحده دون النظر إلى الماضي ومؤثراته وتجاربه يخرج من تحليلاته دون أن تتكون لديه صورة واضحة للمستقبل. ولعل أي حل مقترح لتحسين وضع اللغة العربية في التعليم العام أو الجامعات يتوقف نجاحه على النظر إليه بوصفه جزءًا من الإصلاح التربوي الشامل، فالقضية ليست "قضية درس ومناقشة أو الاستعانة بخبراء أجانب وإنما هي في المقام الأول والأخير قضية إرادة، ومتى توفرت الإرادة وصدق العرب مع أنفسهم في إدارة الإصلاح فإن الطريق إليه موطأة ولا اعوجاج فيها" (1)

لقد انزلق التعليم العالي في بعض الأقطار العربية، وفي الأقطار الأكثر فقرًا على وجه الخصوص إلى التركيز على التطور الكمي في المخرجات وهو
ما نشأ عنه ازدياد عدد الجامعات من جهة وعدد الطلاب من جهة ثانية، وأسهم في فتح كليات خارج الجامعات لمواجهة هذا التزايد فضلًا عن التوسع في إنشاء الجامعات الخاصة بلا تخطيط مع تجاهل تام لمتطلبات التنمية وحاجة المجتمع، وساعدت تلك الإجراءات العشوائية على إقصاء اللغة العربية وإحالتها إلى التقاعد. وكلما زاد تدهور التعليم العام زاد التدهور في التعليم الجامعي. وصار مجالًا للسلبيات بكل أنواعها. وما يبعث على القلق هي تلك السلبيات التي تتعلق باللغة العربية خاصة. ويلاحظ أن التدهور لا يلحق جامعات بعينها بل يلحقها جميعها كما يشير إلى ذلك بحث بعنوان "تطوير المستوى العلمي للطالب الجامعي" للدكتور عبدالقادر الشيخلي جاء فيه: لا يمكن السكوت على الضعف في اللغة العربية، كيف ونحن مواطنين عرب نجهل قواعد لغتنا القومية. أو لا نفقه سببًا عن أساليبها الجميلة؟ إن الطالب الجامعي يجيب على أسئلة الامتحان، إجابة تعج بالأخطاء النحوية والإملائية، وبأسلوب ركيك يبعث على القرف ؟؟ فماذا درس هذا الطالب خلال اثنتى عشرة سنة؟" (2)

كلنا يعلم أن الطالب الإنجليزي لا يطالب بحفظ مفردات لغته وموقعها من الجملة فحسب، بل وحفظ حروف المفردات بالترتيب، ويبدأ ذلك في وقت مبكر، وكلما اتسعت مدارك الطالب اتسعت معها معرفته اللغوية، وهذا النظام الصعب في لغة تتمدد ويتسع نشاطها لم يمنع غير الإنجليز من دراستها واتقانها بما فيهم طلاب عرب كثيرون نراهم يقفون حيارى جاهلين لأبسط القواعد في لغتهم الأم نتيجة طرق التدريس العقيمة وتخلي الجامعات عن دورها في تحدى هذا القصور عند الطلاب الذين يلتحقون بها بحثًا عن الشهادة الجامعية لا عن المعرفة أو تصحيح لسانهم العربي بوصفهم فئة متعلمة من فئات جمهور هذه الأمة التي تعاورتها الأحداث، وكلما خرجت من مأزق عادت أو بالأصح أعيدت إلى مآزق أقسى وأشد، وما حالة التعليم إلاَّ الانعكاس الأكثر وضوحًا وتجليا لتلك المآزق والانكسارات.

-2-

جامعة صنعاء واللغة العربية :

تقوم الجامعات بوصفها مؤسسات تعليمية على تعميق المعرفة وتأصيلها، واللغة هي وسيلتها الأولى والأهم في أدائها لهذه الرسالة. ولم يحدث أن عانت جامعة من جامعات العالم بأسره مما عانت منه الجامعات العربية في اختيار لغة التدريس في بعض كلياتها أو فيها جميعًا، وعلى مدى قرن أو يزيد من إنشاء أول جامعة عربية في مصر لم تحسم الدراسات والتجارب هذا الأمر، وبقي هذا الموضوع على مدى عقود هذا القرن محل أخذ ورد، حتى بعد أن ترك لكل جامعة عربية أن تختار الطريقة التي لا تتناسب مع هوية الوطن العربي الواحد وإنما على رغبة القائمين على إدارة هذه المؤسسات وانتماءاتهم الذاتية بعيدًا عن الرؤية القومية والنظرة المشتركة إلى المصير الواحد، وقد نجحت بعض الأقطار العربية مثل سوريا في حسم هذا الموضوع واختارت جامعاتها التدريس باللغة العربية، وأثبتت التجربة نجاحًا باهرًا فيما حققته من مستوى علمي امتاز به طلابها في مختلف التخصصات العلمية والنظرية. وتأكد أن استخدام اللغة العربية في تدريس العلوم مع وجود لغة ثابتة قد جعل الطالب أكثر استيعابًا وفهمًا.

لم تجد التجربة السورية في حقل التعليم الجامعي أي صدى إيجابي سوى في عدد قليل من الجامعات التي لا يسيطر على تسييرها عن قرب أو بعد دعاة التغريب. وكانت مواقف هؤلاء موضوع تساؤلات ودراسات كشفت عن وجود خلل في رؤيتهم القومية والوطنية من جهة وعن عجز في قدرتهم على تعليم العلوم باللغة العربية التي لا يجيدونها ولا يعرفون شيئًا عن قواعدها، وقد عمل بعض هؤلاء مستشارين عند إنشاء بعض الجامعات العربية خارج أقطارهم، وبهذا تمكنوا من نقل تجربتهم القاصرة إلى ما استجد من جامعات في هذا القطر أو ذاك. وإذا كان بعض الباحثين قد أشار إلى أن الجدل حول أفضلية استخدام العربية قد حسمته المؤتمرات والندوات التي عقدت بهذا الخصوص، لصالح اللغة العربية أو اللغة الأم التي يتعلمها الطلبة ويكتبون بها، ويستوعبون ما كُتب على نحو أفضل، وهي التي تحفظ لهم هويتهم وذاتهم الثقافية، وهي لغة أصيلة تقبل التطور وتستوعب المستجدات "يمكن استخدامها لغة علم وثقافة"(3) إلاَّ أن أغلب الجامعات بما في ذلك الأقدم في الإنشاء ما تزال تستخدم اللغات الأجنبية في تدريس العلوم.

وقد رأيت من المفيد أن أعرض في هذا البحث الوجيز تجربتي الشخصية في هذا الموضوع الصعب أو لنقل الذي عملت الخلافات والانتماءات الخاطئة على تصعيبه، وسأعود بالذاكرة إلى أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم عندما تم اختياري مديرًا ثم رئيسًا لجامعة صنعاء على مدى ما يقرب من عقدين من الزمن، فقد واجهتنا المشكلة عند البدء بالتحضير لفتح كلية للطب ووجدت نفسي مع مجموعة من الزملاء في دوامة كانت المهمة سهلة لدى البعض وغير سهلة لدى البعض الآخر، وساعد في رفع درجة الصعوبة الغياب شبه التام للكوادر الطبية المحلية، واكتشاف أن العدد القليل من الكوادر المحلية ينتمون إلى مدارس طبية مختلفة، وفيهم من تلقى تعليمه الطبي في روسيا وبلغاريا أو ألمانيا ومن تلقاه في بريطانيا أو في جامعة القاهرة أو جامعة دمشق. وكان الحل الأمثل أن يكون التدريس باللغة العربية مع رفع مستوى الطالب في اللغة الإنجليزية لتكون له عونًا في متابعة التطورات والمستجدات في هذا العلم.

وبقيت الصعوبة قائمة فيما يتعلق بالأساتذة المعارين للتدريس في الكلية وأغلبهم لا يجيدون اللغة العربية، وبعد اجتماعات وتشكيل لجان وتزايد الخلافات تم ترك الأمر للواقع لكي يفرض نفسه كما فرضه على بعض كليات الطب العربية التي تدعي أنها تقوم بتدريس الطب باللغات الأجنبية وهي في حقيقة الأمر تقوم بتدريسه باللهجات المحلية الدارجة مع تركيز على حفظ المصطلحات والتثبت من إجادة الطلبة لدلالاتها، وما يزال الواقع يفرض نفسه على هذه الكلية التي لم تعد وحيدة فقد انضم إليها بعد سنوات قليلة كليات أخرى، هي الصيدلة والأسنان والمختبرات والتمريض. وصار عدد الطلبة الملتحقين بهذه الكليات يزيد عامًا بعد عام في الوقت الذي يتناقص فيه عدد المدرسين والمعارين خاصة نظرًا للأزمة المالية الحادة التي تواجه البلاد، وتجعل من إمكان الحل في وقت قريب أمرًا مستحيلًا وأمنية غير قابلة للتحقق. وتجدر الإشارة إلى أن حال هذه الكلية وهي الأولى في البلاد قد انسحب على بقية كليات الطب في الجامعات التي تم إنشاؤها في المحافظات. وما رافق هذا التوسع العشوائي من إنشاء كليات طبية في الجامعات الخاصة.

ولا يصح، بل لا يجوز الحديث عن مشكلة اللغة العربية في كلية الطب، ولا يتم الحديث الأوسع عن مشكلة هذه اللغة في بقية كليات الجامعة، وهي مشكلة تمتد جذورها إلى التعليم العام وما رافقه منذ سبعينيات القرن المنصرم من تدهور وصل ذروته في الثمانينيات والتسعينيات بعد الزيادات غير المتوقعة في أعداد التلاميذ في المستويات الأولى وصولًا إلى الثانوية، لقد كان التعليم العام في اليمن يقوم في الأساس على أكتاف ألاف من المدرسين المعارين من مصر والسودان والأردن والعراق وسوريا، وكان ذلك الجيش من المدرسين يكلف ميزانية الدولة وهي –دئمًا شبه خاوية-  الكثير، كما أن المساعدات التي كانت تتلقاها خزينة الدولة لتسديد رواتب غالبية المدرسين المعارين قد انعطفت أو تحولت إلى مجالات أخرى وبذلك توقفت واكتملت الصورة المؤلمة، وبدأت مستويات التعليم في التردي وكان على الجامعة أن تتحمل مسؤولية قبول طلاب يفدون إليها من مدارس افتقدت الحد الأدنى من المعرفة بأوليات اللغة العربية.

ولمواجهة ذلك القصور الشنيع تم تشكيل عدد من اللجان لدراسة إمكانية أن تقوم الجامعة بدورها في هذا المجال وأن تبدأ من الصفر في تعليم الطلاب الملتحقين بها مبادئ اللغة العربية وقواعدها الأساسية. وتم الاتفاق على إعداد منهج يتم تطبيقه على كل الطلاب الملتحقين بالجامعة والذين سيلتحقون بها مستقبلًا، ويقوم على إعداد متطلبات أربعة يبدأ المتطلب الأول مع السنة الأولى ويستمر بقية المتطلبات إلى مرحلة التخرج، على أن يتم تطبيق هذا المنهج اللغوي على جميع الطلاب في كل الكليات دون استثناء، وفي المقدمة كليات الطب والهندسة والزراعة، وقد لقي المشروع في البداية معارضة شديدة، أضافة إلى عدم وجود الكوادر المحلية من داخل الجامعة وخارجها للقيام بتدريس المتطلبات وفقًا للمنهج المعد، لذلك فقد اقتصر العمل في البدء على السنتين الجامعيتين الأولى والثانية. وسارت الأمور على النحو المطلوب، وبدأ الطالب يتعرف على قواعد لغته ويستوعب نماذج شعرية ونثرية من إبداعاتها، كان عليه أن يتلقاها في سنوات التعليم العام.(4)

ولا أستطيع القول بوصفي متابعًا في إعداد المشروع إنه قد نجح، أو إنه كان كفيلًا بأن يخفف من وطأة ضعف اللغة العربية في أوساط خريجي الجامعة، لكنه حقق بعض النجاح النسبي. وما يزال الحل الأمثل والمطلوب يأتي من الأساس في التعليم العام، من إعداد الطالب ابتداء من المراحل الأولى فلا يصل إذا ما ارتقى إلى مستوى التعليم الجامعي إلاَّ وقد استكمل الوعي بالمكونات الأساسية للغة التي هي مفتاح المعرفة في كل التخصصات التي سيختار واحدة منها، وقد سبقت الإشارة في توطئة هذا البحث إلى أن التدهور المتلاحق في التعليم العام لا يعد وقفًا على الأقطار العربية التي دخلت إلى رحاب العصر متأخرة، وإنما هو تدهور شامل ومثير لأقصى معاني القلق، ومن يعيد الآن النظر في مناهج اللغة العربية التي كانت معدة لطلاب الإعدادية والثانوية يصاب بالحسرة ويدرك بوضوح الأسباب التي أوصلت الأمة العربية في جميع أقطارها إلى هذا المستوى من الضعف والهوان لا على مستوى اللغة وحدها بل على كل المستويات.  

 

 

 

 

 

 


-3-

معوقات لم تكن في الحسبان

كان أحد الزملاء في مجلس الجامعة في أثناء مناقشة واقع اللغة العربية في الجامعة حاضرًا ومستقبلًا قد اقترح ألا يتم اقتصار تعليم اللغة العربية على الطلاب فقط بل ينبغي أن يشمل بعض المدرسين الذين لا يجيدون قواعد لغتهم الأم، الذين يقومون بتدريس الطلاب في المواد العلمية والنظرية، وفيهم للأسف من يكتب "منذ" بزيادة واو "منذو" ويكتب "إلى" "إلاّ" ويتصرف في المثنى والأفعال الخمسة والمذكر السالم كما يشاء هو لا كما تشاء القواعد النحوية المتفق عليها عبر العصور. ولا يشك أحد في حسن نوايا هذا الصنف من المدرسين وأنهم ينقلون المعلومة إلى الطالب بدقة علمية كاملة، لكنهم يقدمونها بلغة تفتقد الحد الأدنى من الإعراب وبتجاوز، في القواعد، منقطع النظير. وكثيرة هي الأخطاء التي يقع فيها الطلاب أسوةً بمدرسيهم، وأتذكر على سبيل المثال عندما كنت أطوف بإحدى القاعات أثناء سير الامتحانات وكان ذلك في كلية التجارة ومع مادة "المالية العامة"، وقد اقتربت بالصدفة من أحد الطلاب ولفت انتباهي أنه يكتب عبارة "من خمسة وثلاثين" على هذا النحو "من خمسة وثلاثون" وعندما سألت عن صحة العبارة أجاب واثقًا بـ "نعم".

كان إلى جوارنا مدرس المادة وقد تابع حديثي مع الطالب وأراد أن يؤكد لي أن الطالب لم يخطئ في الإجابة فالرقم المطلوب هو خمسة وثلاثون، ولا يهمه قبل ذلك أو بعد ذلك أن تكون كتابة الرقم بالواو أو الياء، ما يهمه بالدرجة الأولى صحة هذا الرقم، وأن المدرس –كما قال- يقدم لطلابه المعلومة ولا علاقة له أو للطالب بقواعد اللغة، أو أن تكون المعلومة مرفوعة أو مكسورة، وحينئذ اكتشفت واحدًا من الأسباب التي تجعل من بعض المدرسين أداة هدم للغتهم دون أن يشعروا بذلك، وأدركت أن دور الجامعة المطلوب في العناية باللغة العربية لا بد أن يبدأ بإعداد المدرس الجامعي القادر على الارتقاء بالتلاميذ والطلاب إلى المستوى المطلوب في التمكن من لغتهم. وتذكرت في ذلك الوقت حديث زميلنا في مجلس الجامعة وإصراره على أن نبدأ العمل من تأهيل المدرسين وتعليمهم قواعد اللغة، قبل الطلاب، فهم القدوة المؤثرة على الطلاب في استخدام الألفاظ وطريقة التعبير، ولا ننسى أن أغلب الطلاب قد تميزوا بقدرة فائقة في متابعة المحاضرات وتسجيل كل كلمة ينطقها المدرس باعتبار ما يقوله علمًا ينبغي حفظه شكلًا ومعنى.

وأعترف أنه كان ولا يزال من المستحيل أن تفتح الجامعات برامج لغوية لتدريس المدرسين قواعد لغتهم، وكان على هؤلاء المدرسين أن يدركوا من وقت مبكر حاجتهم إلى دروس في قواعد لغتهم الأم، وأن تأتي المبادرة من جانبهم لا من الإدارة أو أية لجنة وكان عليهم - ذلك أضعف الإيمان- أن يستعيدوا ما لابد أن يكونوا قد تعلموه في الإعدادية والثانوية، لتصحيح الأخطاء التي يقعون فيها ويدفعون فيها طلابهم، ومن الواضح أنهم لم يطالبوا بذلك في سنوات الدراسة الجامعية وسنوات الدراسات العليا التي يقتصر فيها الاهتمام باللغة على كليات الآداب واللغات، واللافت أن معظم هذا الصنف من المدرسين هم من خريجي الجامعات العربية، ولم يحصلوا على مؤهلاتهم العلمية من أوروبا أو أمريكا أو من روسيا والصين. وأعترف ثانية أنني كنت لا أنوي الإشارة أن هذا الموضوع من قريب أو بعيد، لولا أن الأمانة العلمية تقتضي الاقتراب من كل المعوقات التي تقف في درجة الإصلاح اللغوي المطلوب من الجامعات أن تقوم به لصالح لغة القرآن والفكر والثقافة والإبداع.


الهوامش :

1.   د. محمد جواد رضا : الإصلاح التربوي العربي، خارطة طريق، مركز دراسات الوحدة العربية، صـ 26.

2.   د. عبد الرحمن عسوي : تطوير التعليم الجامعي العربي، دار العصر العربي، بيروت 1484، صـ 24.

3.   د. أنطون رحمه : قراءات حول التعليم العالي، مكتبة اليونسكو، صـ 8.

4.   نفسه، صـ 21.

5.   د. عبدالقادر الشخيلي، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان 1983م، صـ27.

6.   محتويات تقرير اللغة العربية 101.