(اللغة العربية في التعليم تجربة شخصية) للأستاذ الدكتور وليد محمود خالص، عضو المجمع المراسل.


 

 

 

 

 

 

اللغة العربية في التعليم

تجربة شخصية

د.وليد محمود خالص

عضو المجمع المراسل

بحث مقدّم إلى مؤتمر مجمع اللغة

العربية بالقاهرة

في دورته الثالثة والثمانين

24/4/2017 إلى 8/5/2017

 

 

 

 

 

 

 

"ما الأعداد المرجّحة للطلاب اللبنانيين الذين اختاروا اختصاص الأدب العربي هذا العام (2016)؟

يجيب الأستاذ رزق الله الحلو، رئيس جمعية جائزة الأكاديمية العربية بقوله:( إنّه من خلال تواصل الجمعية مع عدد من الجامعات الخاصة، ومنها من نالت تصنيفا عالميًّا كأفضل الجامعات في المنطقة، تبيّن لنا أنّ عدد المسجلّين هذه السنة الجامعية (2016) في اختصاص اللغة العربية هو: صفر).(1)

ولا يختلف هذا الرقم، أي صفر، في بقية الجامعات العربية، ليرتفع قليلا هنا، أو كثيرا هناك، وهو ما يؤشر الى ظاهرة تعمّ الوطن العربي، وهي الإحجام عن دراسة اللغة العربية في أقسامها المتخصصة في كليات الآداب، أو العلوم الانسانية، أيّا كان المسمّى الذي تختاره هذه الجامعة، أو تلك، مع استثناءات –كما سنرى- تعمّق هذه الظاهرة، وإن بدت في مظهرها الخارجي أنّها خروج على تلك الظاهرة، غير أن سبر الظاهرة، والتغلغل في شعابها سيصّب في النهاية إلى ترسيخها بدلا من نفيها.

   ولا ريب في أنّ لهذه الظاهرة أسبابا مباشرة، وأخرى غير مباشرة، كما أنّلها جذورا تضرب في تاريخ الواقع التعليمي في الجامعات العربية، ومن المؤكد أنّ لها نتائج أيضا، تفعل فعلها في مكانة اللغة العربية عموما، وتأثيرات هذه الظاهرة على المجتمع العربي بشكل عام. ولذلك سنعمد إلى نوع من التوالي التاريخي لدرس هذا الموضوع، مفتتحين بالبدايات، وماريّن بالأسباب، بغية التوصل إلى النتائج. وتشتغل هذه المحاور التي ربّما مرّ بها غيري، ممّن نحن في جيل واحد، أو متقارب، وشاء القدر أن يندرجوا ضمن تخصّص اللغة العربية، دارسين و مدرّسين، وبعد هذا باحثين، لمدة لا تقّل عن أربعين سنة، هي عمر تلك المرحلة التي شهدت تغيّرات سياسية، وثقافية عميقة، وحوّلت النظر إلى وجهات أخر، لم تكن اللغة العربية لتنال اهتمام هذه الوجهات، وهو الذي يقول به واقع الحال من جهة، ودلالاته الصامتة الناطقة من جهة أخرى.

 

 


(1) صحيفة النهار اللبنانية، في 23/9/2016. مقال مجد بو مجاهد

-2-

   لعّل (المدرسة) بمستوياتها المتتابعة هي الرافد الذي يصبّ بعد الإنتهاء من واحدة من مراحلها في (الجامعة)، ولسنا معنيين هنا بالتخصصات المختلفة التي تدفع بها (المدرسة) إلى (الجامعة) من حيث كونها علمية، أو أدبية، أو تجارية، أو ما استحدث بعد هذا ما يسمى ب (IT)، أي تكنلوجيا المعلومات، وهو العلم التكنلوجي المتعلّق بالحاسوب، وتفرعاته، أو الصناعية، أو الزراعية، أو السياحية. أقول: لسنا معنيين هنا بهذه التخصصات التي تضطلع بها الجامعات، فهذه هي الأخرى لن تقع في مجال اهتمامنا، ماعدا اللغة العربية، وهو التخصّص الذي افتتحنا به هذا البحث من حيث عدم الإقبال عليه. والنأي بالنفس عن الدخول إلى حرمه، والبعد عنه بعد الصحيح عن المجذوم، إن جاز لنا استخدام هذه الصورة.

  لم يعرف جيلي، وخصوصا سكان المدن، ما يعرف ب(الكتاتيب)، تلك التي أبدع في وصفها طه حسين في (الأيام)، ومسّها بقلمه أستاذي الدكتور ابراهيم السامرائي في (حديث السنين)(1)، وهو نمط من أنظمة التعليم، يعتمد على التلقين، ويتّخذ منه ( الشيخ)(2) وسيلة لتعليم الأطفال حفظ القرآن الكريم، ومبادئ الكتابة، وشيئا من الحساب، وهي مرحلة تسبق الدخول إلى المدرسة، فكأنها أشبه بروضة الأطفال اليوم، التي تهيأ الطفل للدخول إلى المرحلة الابتدائية. إذن هي (المدرسة) التي واجهتنا في مراحلها الأولى، وكانت(المدرسة) حاضنة ملائمة للارتقاء بمستوى العربية لدى الطالب، من حيث الاهتمام الحكومي بها، والكتب التي تقرّرها، وتكون مادة الدرس الوحيدة، غير أنّ العامل الرئيس الذي دعم ذلك الارتقاء هو (المعلم). ذلك الساحر الذي ما أن ينقر بعصاه على عقول الطلاب حتى يفجّر في

 

 


(1) ينظر: حديث السنين، ص 12، وبعدها.

(2) يطلق على (الشيخ) في العراق (الملاّ)، وهي كلمة فارسية، عرّبت في اللسان العامي في العراق، وفي بلاد أخرى. ينظر: حديث السنين، ص 14-15، وينظر: قصة حياته بقلمه. ذكريات الطفولة، ذو النون أيوب، ص58، وما بعدها، عن (الكتاتيب) في الموصل.

أرواحهم مكامن التّلقي، والإصغاء، والرغبة، وطلب الاستزادة. كان المعلّم ذا حصيلة معرفية عالية، مؤمنا أنّ العربية هي روح هذا المجتمع الذي بها يحيا، حريصا على التجويد والإتقان، يعينه على هذا، دعم مستمّر، واكتفاء معيشي، ومكانة اجتماعية مرموقة يحظى بها من الطلاب، وأهلهم، بل الوسط الذي يعيش بين ظهرانيه، وارتفعت هذه النبرة إلى مدى بعيد عند انتشار الوعي القومي العروبي الذي عمّ سائر الوطن العربي، وأصبحت العربية مادة هذا المدّ، وجوهرة تاجه الفريدة، ويبدو للناظر، وهو يدنو من شرفة الذاكرة، أنّ القطاف قد حان بعد أنّ تهيّأت الأسباب، وقد دنا شيء كثير من هذا القطاف الذي انعكس بدوره على تخصّص اللغة العربية في الجامعة.

 أقبلت أفواج ممّن دفعت بهم المدرسة، ذكورا، وإناثا، إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة بغداد، راغبين في الانضمام إليه، وكان كثير منهم من ذوي المعدلات العالية التي تسمح لهم بدخول تخصصّات، سيكون لها شأو، وأي شأو فيما سنستقبل من سنوات بعد هذا، ولكنهم اختاروا العربية درسا، وتخصصّا، ومستقبلا أيضا. كانت هناك ثلاث شعب، أو ثلاثة صفوف هي التي قبلت في ذلك العام، أي 1968، واستمرت حتى تخرّجها بعد أربعة أعوام، وهناك غيرهم ممّن سبقوهم يدرسون في مستويات أعلى، وهم أضعاف ذلك العدد، وتولّت مجموعة من أفاضل الأساتذة تدريس تلك الدفعة التي رافقتها في سنيّها الأربع مثل: علي جواد الطاهر، وابراهيم السامرائي، ومهدي المخزومي، وجميل سعيد، وصلاح خالص، وعلي الزبيدي، وأحمد مطلوب، ويوسف عز الدين، وعبد الجبار المطلبي، وابراهيم الوائلي، بالإضافة إلى الموجة (الجديدة) التي تلت الموجة السابقة من الأساتذة، أولئك الذين أكملوا دراساتهم العليا مثل: جلال الخياط، وعناد غزوان، وفاضل السامرائي، ورؤوف الواعظ، وغيرهم ممّن لا تقوى الذاكرة على حفظ أسمائهم الكريمة، وقد نال ذلك الجمع الكريم شهاداتهم العليا من مصر، وفرنسا، وانكلترا، وعادوا ليطبّقوا ما تعلّموه هناك على هذه الأجيال الجديدة التي تنتظر منهم الكثير، وقد حظيت بعض تلك الأسماء بنيل شرف عضوية المجامع العربية سواء منها المصري، أم السوري، أم العراقي، مثل جميل سعيد، وابراهيم السامرائي، وأحمد مطلوب، وكنّا نسمع ممّن هم أكبر منّا سنّا أنّ كلية الآداب في بداياتها الأولى كانت تستعين ببعض الأساتذة المصريين، أذكر منهم طه الحاجري، وشوقي ضيف، وبدوي طبانة، وتوفيق الطويل أستاذ الفلسفة المرموق، وممّا يجب إضافته هنا أنّ جامعات أخرى بدأت تفتح أبوابها لاستقبال أفواج أخرى من الطلاب، والطالبات، ونالت أقسام اللغة العربية اهتماما كبيرا من لدن الجمهرة من الطلاب، فدخلوها، وتدّرجوا في سنواتها المتعاقبة.

 كانت الدراسة بسمتها العام (تقليدية) من حيث المواد الدراسية، وطريقة التدريس، ونظام الامتحانات، فهناك النحو، والصرف، والبلاغة العربية، واللغة، والعروض، وهناك الأدب مقسّما إلى عصوره المعروفة، وهي الجاهلي، فالإسلامي، ، فالأموي، فالعباسي، فالأندلسي، فالحديث، وهناك النقد الأدبي بقسميه: القديم، والحديث، ويسند هذا قراءة كتاب قديم، كأن يكون ( البيان والتبيين) للجاحظ، أو (الكامل) للمبرد، مع عناية قليلة باللغة الانجليزية، واهتمام أكبر بلغة شرقية كأن تكون العبرية، أو الفارسية، أو التركية، يختار الطالب واحدة منها ليدرسها مدة عامين دراسيين، ولا ننسى التاريخ والفلسفة، فقد احتلا حيزا جيدا في مقدار ما يتلقّاه الطالب منهما، فكان التاريخ مثلا يواكب جنبا إلى جنب تاريخ الأدب، فإذا درس الطالب في سنته الأولى (الأدب الجاهلي)، كان هناك درس مخصّص لتاريخ العرب قبل الإسلام، فإذا انتقل إلى الصفّ الثاني، وبدأ في درس ( الأدب الإسلامي والأموي) رافقه التاريخ في هذين العصرين، ونالت( الحضارة الإسلامية) نصيبا من الاهتمام بحيث خصّص لها الصف الرابع، وهو الأخير، مع إطلالة على واقع العالم العربي الحديث، مرافقا لما يدرسه الطالب في (الأدب الحديث). وهكذا. أمّا الفلسفة فتبدأ من الجذور، إذ يستقبل الطالب في سنته الأولى الفلسفة اليونانية، فإذا انتصف العام خصّص نصفه الثاني للفلسفة في العصر الوسيط، وتكون الفلسفة الإسلامية من نصيب الصفّ الثاني، مع اهتمام بعد هذا بالفلسفة الحديثة، ويقوم على تدريس مادتّي (التاريخ)، و(الفلسفة)، أساتذة مختصّون، يستعان بهم من قسمي التاريخ، والفلسفة احتراما للتخصّص مثل: بدري محمد فهد، وحسام الدين الألوسي، وحازم مشتاق، وغيرهم.

   وكان نظام الدراسة السنوي يتيح للأستاذ، والطالب وقتا كافيا للوقوف عند عدد كبير من الشخصيات، والاتجاهات، والاطلاع على تفاصيل كثيرة تخصّ عصرا أدبيا معينا، كما يتيح لهما، أي الأستاذ والطالب، تمحيص المسائل، والتدقيق فيها، فيما يتعلق بالنحو، والصرف، والبلاغة، والعروض، ويأتي (منهج البحث) عرضا في أثناء الدرس، إذ لم يكن له مادة خاصة، ولعلّه كان يدرس بتوسّع، واستفاضة في مرحلة أعلى، وهي مرحلة ( الماجستير)، وكانت الأبواب مشرعة بوجوه (الخريجين)، فمنهم من يؤثر إكمال دراساته العليا داخل العراق، أو خارجه، ومنهم من ينصرف للتدريس في المدارس الحكومية، إذ لم تكن المدارس الخاصة موجودة بهذا الانتشار الذي نراه اليوم، ومنهم من تستقبله وسائل الاعلام المتوفرة في ذلك الوقت مثل: الصحف، أو المجلات، أو الإذاعة، أو التلفاز، مع استعانة وزارات مختلفة بعدد كبير من أولئك الخريجين لتصحيح ما يصدر عنها من خطابات رسمية،

أو نشرات، أو كتب، وحين صدر قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية(1) سنة 1977، تنامت الحاجة إلى تخصّص اللغة العربية بسبب تغلغلها في مفاصل المجتمع كافة.

 وبعد الحصول على الدرجة الجامعية، هفت النفس إلى استمرار الدراسة في مرحلتها الأعلى، أي درجة الماجستير بجامعة بغداد، كلية الآداب، ونذكرها هنا لأهميتها، إذ على المتقدم أن يجتاز امتحانين، أحدهما كتابي، والآخر أشبه بالمقابلة الشخصية، وقد تقدّم إلى الامتحان الكتابي ما يزيد على مائة متقدم، ولعّل هذا الرقم ذو دلالة على ما نحن فيه، ويدخل الناجحون في هذا الامتحان امتحانا آخر كما مرّ، ولا يقبل القسم سوى عشرة متقدّمين مها بلغ عدد أولئك المتقدمين، وليس هناك من شرط للعمر كما يبدو؛ لأنّ أسماء معروفة في المناخ الأدبي كانت من ضمن المتقدّمين مثل الشاعر الراحل عبدالرزاق عبدالواحد، والشاعرة لميعة عباس عمارة، وكانا من الأسماء اللامعة، وغيرهما من المشتغلين بالشأن الأدبي، والفكري، وكانت النتيجة بعد اجتياز الامتحانين بنجاح، الفوز بواحد من المقاعد العشرة، غير أنّ أمورا وقعت أدّت إلى تغيير النتيجة ليدخل شخص آخر، ويحذف اسم المقبول، وتكررّت المحاولة في العام التالي، وتكررّت معها النتيجة نفسها، فأيقن أنّ الأمر محكوم بضوابط، يأتي النجاح المقرون بالعلم في آخرها، وكان لابدّ من الإصرار، فكانت الوجهة مصر، وجامعة عين شمس، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وهناك وجد هذا الشاب مناخا مختلفا، وأفكارا جديدة، وكتبا طريفة، وفوق ذلك كلّه يذكر أولئك الأساتذة الكرام الذين جلس إليهم مثل: مهدي علام، ولطفي عبد البديع، وإبراهيم عبدالرحمن، وعفّت الشرقاوي، ويحيى عبد الدايم، ومصطفى ناصف الذي تفضّل بالإشراف على رسالته التي نال بموجبها درجة الماجستير، وانتهت الأمور بسلام بعد الحصول على الدرجة، والعودة إلى بغداد، لتبدأ مرحلة جديدة هي الدكتوراه، وهي التي قبل في برنامجها بعد صعوبات مريرة، ومشقّة يطول الحديث عنها، وعاد ليلتقي بأولئك الأساتذة الذين قابلهم، وهو على منّصة الدرس قبل سنوات، عاد ليجلس إليهم، وقد ازدادوا خبرة، وتعمّقا، في تخصصاتهم، فأفاد منهم، وتفضّل علي جواد الطاهر بالإشراف على رسالته للدكتوراه، ومعه أحمد مطلوب، وعناد غزوان، وقبل المناقشة بأشهر أحيل الطاهر على التقاعد، فحّل محلّه جلال الخياط، الذي كان كريما كعادته، وكانت الحرب العراقية الإيرانية قد

 

 


(1)تنظر تفاصيل وافية عن هذا القانون في كتاب (نحو لغة عربية سليمة) لمجموعة من الأساتذة.

بدأت، وهي آخذة في التصاعد، غير أنّ هذه المرحلة انتهت بسلام أيضا بالحصول على درجة الدكتوراه سنة 1981.

 وها هي مرحلة جديدة، ومختلفة عن سابقاتها من المراحل، تأخذ طريقها إلى الظهور، وهي مرحلة التدريس، والاحتكاك المباشر بالطلبة، والمناخ الجامعي. كان ذلك في جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1982، يوم لم يكن في دولة الامارات حينذاك جامعة سواها. واستمرت هذه المرحلة اثنتي عشرة سنة لتنتهي سنة 1994، حيث الاستقرار في الأردن محاضرا غير متفرّغ بالجامعة الأردنية، ثم متعاقدا مع جامعة البتراء الأردنية التي كانت تسمّى يومذاك جامعة البنات الأردنية، وفي سنة 1998 تأتي مرحلة أخرى مع جامعة السلطان قابوس لتستمر بحدود عشر سنوات، وتزيد قليلا، لتكون العودة إلى الأردن باحثا متفرّغا، منصرفا للقراءة، والتأليف.

  وأسأل: هل تكفي قرابة ثلاثين سنة في معاناة التدريس الجامعي للحديث عن هذه التجربة؟ وهي مراحل انقضت في غمارها زهرة الشباب، وفيها من المرارة أضعاف ما فيها من الحلاوة بسبب التغرّب، وضرورة التكيّف مع مجتمعات متنوعة، واللقاء بأناس مختلفي المشارب، متباعدي العادات. أسأل: هل تكفي؟ إذا كانت الذات هي المتن، وتدريس علوم العربية هو الهامش، فلا شك في أنّ الهامش سوف يطغى في هذه الدراسة، وسيبسط ظلّه عليها، فهذا هو المقصد الرئيس فيها. فلتتراجع الذات إلى الظلّ، وتصبح أقرب إلى(الراوي) في الرواية، تدير الأحداث، ولكنّها لن تكون المركز فيها؛ لأنّ المركز هنا هو العربية بسؤددها، وشموخها، وليس (الراوي) هنا سوى شاهد على الأحداث التي صنعها بنفسه، أو صنعها غيره، كأنّ القضية ستكون بامتياز في غلبة ما يسمّى في النقد الأدبي ب(ما حول النّص)، ويكتسب هذا ال(ما حول) أهميته من حيث كونه يؤشّر لمرحلة، وهو عامر بالعلامات، مكتنز بالدلالات المحتاجة إلى تفكيك، وتحليل، ومدارسة، ويظلّ السؤال شاخصا: هل تراجع تدريس العربية في الجامعة عمّا كان عليه سابقا؟ وهل نلمس زهدا من نوع ما، سواء أكان كبيرا أم صغيرا، في تخصّص اللغة العربية؟ وهل يمكن رصد هذا التراجع، والزهد- إن كانا واقعيّن- بمعزل عن التحولات العميقة التي مرّ بها المجتمع العربي خلال أربعين سنة مرت؟ هذا سنحاول الإجابة عنه، والاقتراب منه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-3-

  كانت جامعة الإمارات العربية المتحدة هي الجامعة الوحيدة في دولة الإمارات يوم دخلتها في بداية العام الدراسي من سنة 1982، وتضّم كلية الآداب الأقسام التقليدية المعروفة، والموجودة في نظيراتها في الوطن العربي، فهناك الدراسات الإسلامية، والفلسفة، والتاريخ، واللغة الإنجليزية، والجغرافيا، والاجتماع، والإعلام، ولعلّ هناك قسما، أو أقساما أخرى غابت عن الذاكرة بعد هذه المدة المتطاولة. ويقف قسم اللغة العربية بين تلك الأقسام، واسطة العقد فيها، وكان الأساتذة فيه من جنسيات عربية مختلفة، فهناك المصري، والسوري، والأردني، والفلسطيني، والسوداني، والعراقي، وهم ذوو تخصصات متنوعة، تستوعب علوم العربية. والنظام التدريسي هو نظام الساعات المعتمدة، فإذا درس الطالب عدد ساعات معينا، كان في ذلك الوقت اثنتان وثلاثون ومائة ساعة، حقّ له أنّ يتخرج. ويطرح القسم دروسا متخصصة تتراوح بين (الإجباري) الذي يتوجّب على الطالب درسها، و (الاختياري) يحقّ للطالب اختيار بعضها، ويترك الآخر، ولا يؤثر هذا (الترّك) في مسيرته الدراسية، كما يدرس الطالب مواد من تخصصات أخرى، في الكلية، ويتيح له هذا النظام أيضا أن يختار ساعات (حرّة) من كليات أخرى، وهناك ثلاثة أنماط داخل التخصص هي: المنفرد، والرئيسي، والمزدوج، ومكمن الاختلاف بينها في عدد الساعات التي يدرسها الطالب في تخصص اللغة العربية، و يراد بالمنفرد أنّ الطالب يدرس أغلب الساعات المطلوبة لتخرّجه في تخصّص اللغة العربية إلاّ ساعات قليلة يتمكّن من درسها من خارج تخصّص القسم، وأمّا الرئيسي، ويقترن به الفرعي، فهو أن يدرس الطالب ثلثي الساعات المطلوبة منه للتخرج في القسم، ويختار قسما آخر من داخل الكلية، كأن يكون الإعلام، أو التاريخ، أو الفلسفة، فيكمل الثلث الثالث من ساعاته في القسم الآخر الذي اختاره، ليتخرج وهو يحمل تخصصّين، أولهما اللغة العربية بحسبان أنّ ثلثي الساعات في هذا التخصص، وثانيهما تخصّص القسم الذي اختاره، ويعدّ هذا التخصص الثاني فرعيا، أما الثالث، والأخير، وهو المزدوج، فهو أن يدرس الطالب عددا من الساعات بقسم اللغة العربية مساويا لعدد الساعات التي يدرسها في قسم آخر في الكلية، وقد أثبت هذا التخصّص عدم جدواه، ولذلك تمّ إلغاؤه فيما بعد، واقتصر القسم على التخصصّين الأول، والثاني حسب. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنّ هذا النظام معمول به في أقسام الكلية أخرى، لا ينفرد قسم اللغة العربية وحده به.

 لم يكن هذا النظام ممّا ألفه الباحث في دراسته الجامعية، إذ درس في ظلّ نظام يطلق عليه نظام (السنة الدراسية)، وهنا نظام مختلف، هو نظام (الفصل الدراسي)، ولكن

 بمرور الوقت تعوّد عليه، واكتسب خبرة بمداخله، ومخارجه، غير أنّ مرور الوقت ذاك، كشف له أشياء، وأشياء، منها قصر المدة الزمنية المخصصّة لتدريس المادة التي انحصرت بفصل دراسي واحد لا يتجاوز أربعة شهور، بعد أن كانت المادة نفسها تدّرس لسنة دراسية كاملة تقترب من تسعة شهور، وانعكس هذا القصر على المادة نفسها، فماذا يستبقي؟ وماذا يترك؟ فإذا كانت المادة نفسها واسعة، وعلوم العربية جميعها واسعة لأسباب معروفة، تجسّدت المشكلة بأجلى مظاهرها، فإذا أضفنا إلى تلك المدة القصيرة نسبيا، ما يتخللّها من إجازات، ومناسبات دينية، ووطنية، فإنّ المشكلة تتفاقم، ليّتسع الخرق على الراقع على مقتضى المثل العربي القديم، ومن تلك الأشياء أيضا أنّ المادة، وهي واسعة أصلا، تؤخذ مرة واحدة لا غير، فلا تمهيد يسبقها، ولا مادة أخرى تفصّل مجملها، مثل الأدب بمختلف عصوره، والنقد القديم، والنقد الحديث، وعلم اللغة، ويستثنى من ذلك، النحو الذي يدرس على مدى أربعة فصول، والبلاغة العربية على مدى فصلين، ومع هذا فهذه الفصول غير كافية أصلا، وهكذا. واستتبع هذا الأمر، أمر آخر. وهو الثالث، أنّه بسبب تلك المدد القصيرة، كان لزاما على مدرس المادة أن يختار، وينتقي ما يراه مفصليا، وجوهريا، في المادة التي يضطلع بتدريسها، ويترك ما عداها، ولم تكن النتيجة سوى (إهمال) كثير من القضايا، والاتجاهات، والشخصيات التي هي بحاجة إلى توقّف، ودرس، ولا سبب لهذا سوى الوقت، ومنها، أخيرا، أنّ القسم ليس بمكنته أن يزيد من عدد الساعات، المطلوبة لتخرّج الطالب، فهو محكوم بالنظام، ومقيّد بعدد محدود من الساعات، هي في الصميم من نظام الجامعة برمّتها، غير أنّه يمكن المناورة داخل عدد الساعات المفروضة من حيث استئثار علم معين بعدد ساعات، هو أكثر من غيره، وعند ذاك يشتغل جهاز التحيز، ونريد به تحيّز كلّ فئة من الأساتذة لتخصّصها، بحيث ترغب في زيادة عدد الساعات المقرّرة له، وتقع بسبب ذلك التحيز مشكلات كثيرة، وهي لو أردنا الإنصاف، مشكلات سببها النظام الدراسي نفسه، وتطّلع الأساتذة إلى إعطاء الطالب مزيدا من المادة المعرفية التي هم موقنون أنّ الطالب بحاجة إليها من جهة، وضيق الوقت لا يسعف من جهة أخرى.

   وإنما أطلنا في تبيان الوجوه المختلفة لهذا النظام الدراسي؛ لأنّه يشمل الجامعات العربية الأخرى، تلك التي قام الباحث بالتدريس فيها، وهي الجامعة الأردنية، وجامعة البتراء الأردنية، وجامعة السلطان قابوس، فكأنّ تطاول المدّة، واختلاف الأمكنة، وتبدّل الأزمنة، وتغيّر البشر لم يكن بمستطيع تغيير ما رآه، وسبح في لجتّه، وهو يستقبل مرحلته التدريسية الأولى التي ستستمر أعواما كثيرة؛ لأنّ السبب هو هو لم يتغيّر. ولكن بعد ما تقدّم، تلح أسئلة لا مناص من إلقائها هنا، وهي، مثلا، عدد الطلاب المنتمين إلى قسم اللغة العربية؟ وما مكانتهم الاجتماعية، ونظرة المجتمع خارج الجامعة إليهم؟ وما مصيرهم بعد التخرّج؟ وهل يجدون فرصا لهم في سوق العمل؟

 

 

-4-

  كأنّ الأسئلة تتلاحق حتى في مفتتح هذه الفقرة، وستختصر هذه الأسئلة بسؤال واحد، هو: هل نتمكن من الإجابة عن تلك الأسئلة بموضوعية تقترب من الحياد بمعزل عن الأحداث الجسام، والنوازل الكبرى التي حلّت بالوطن العربي في العقد الأخير من القرن العشرين، واستمر غليانها، وتأثيرها إلى يوم الناس هذا؟ وهي، أي الأحداث والنوازل، التي من الممكن اعتبارها باطمئنان حدّا فاصلا بين عصرين بالنسبة إلى اللغة العربية في التعليم في أرجاء الوطن العربي عموما، والمشرق منه خصوصا، وخصوصا، مرة أخرى، أنّ الباحث كان شاهدا عليها، ومراقبا مراقبة دقيقة تفاصيلها، وما جرّته من ويلات، وآلام. ونريد بها، لا على الترتيب التاريخي، أربعة أحداث، أولها العولمة(1) بتجلّياتها المتنوعة في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وثانيها سقوط برجي التجارة الامريكيين(2) سنة 2001، وثالثها الاحتلال العراقي للكويت سنة 1990، واصطفاف دول الخليج العربي مع الكويت في محنتها، ومعها كثير من

 


(1) درس الباحث أثر العولمة في العربية في كتابه: عن العولمة والجامعة والتعريب، ص11، وما بعدها، وعاد إليها في بحثه عن (التعريب). ينظر الكتاب نفسه، ص95، وما بعدها.

(2) ينقل د.عبدالسلام المسدي في كتابه (السياسة وسلطة اللغة). ص103، رأيا للفيلسوف الفرنسي (جون بودريار) مفاده أنّ (تفجير الأبراج مجاز، حقيقته تفجير العولمة)، ويعلّق د. المسدي بقوله:(...ومهما قلبت بين أطروحات صاحب المقال فإنّ عصارتها المستصفاة هي أنّ الغرب مسؤول عن تخريب التوازن الدولي منذ جعل أنموذجه الأمثل أن يخوض غمار كل شيء مصادرا على أنّ الخسارة في الأرواح لديه هي دوما (صفر) من القتلى)، ويعود إلى (بودريار) لينقل عنه قوله: (إنّ كلّ ما قد كتب من بيانات، وكلّ ما قد دبّج من تعاليق، إنمّا يشي بالرغبة في الخلاص من عقدة التوتر النفسي، بل يشي أيضا بالامتنان العظيم الذي تركه الحدث في النفوس. إنّ إدانة ذاك الحدث أخلاقيا، والالتفاف المقدّس ضدّ الإرهاب قد جاء على قدر الفرحة الكبرى التي ابتهج بها الناس حين رأوا تلك القوة الدولية العظمى تنهار، بل تحطّم نفسها بنفسها كأنّها تنتحر انتحارا بهيا، والسبب في ذلك، هو انّها هي التي-بسطوتها التي أصبحت لا تطاق- قد أوقدت هذا العنف المتسرّب في كلّ أنحاء العالم، وهي التي-تبعا لذلك وبدون أن تدري- قد صنعت هذا الخيال الإرهابي الذي بات يسكننا)، ص104.

 

الدول العربية، وأعقب هذا، ما أطلق عليه بحرب الخليج الثانية(1) التي أجلت القوات العراقية عن الكويت، وفرضت دول التحالف التي اضطلعت بذلك الإجلاء، حصارا اقتصاديا على العراق، أهلك الحرث، والنسل، بالإضافة إلى حرب الإجلاء تلك، التي دمّرت بنية العراق تدميرا يكاد يكون عاما، شاملا. ورابعها الاحتلال الأمريكي –البريطاني للعراق سنة 2003، بملابساته المتنوعة، وأسراره التي لم يكشف النقاب عن كثير منها حتى الآن، وامتّد أثره إلى كثير من الدول، وخصوصا المحيطة بالعراق، وهو أثر ما زال يفعل فعله، ويشتّد حتى اليوم. ولا نودّ الإطالة في هذا الموضوع، فهو معروف للكافّة، ولكثير من الجيل السابق، والجيل الحالي قد عايش أحداثه، واكتوى بنارها وقبض على جمرتها.

 إنّ الذي يهمنا هنا من تلك الأحداث الجسام بعد وقوعها، هو النظر الفاحص إلى العربية، وتدريسها في المدارس، والجامعات العربية، ولهذا افتتحنا هذه الفقرة بالاستفهام الذي خرج إلى التأكيد عن استحالة فهم ما حدث، ويحدث للعربية في حال تغييب الأحداث، لكونها ذات تأثير مباشر، وغير مباشر عليها. ومن هنا يحقّ لنا القول إنّ محاولة قراءة وضع العربية خلال المدة التي سبقت تلك الأحداث، والتي تلتها، وهي معزولة عنها، لا تعدو أن تكون قراءة سطحية، تؤثر السلامة، وتقدّم العافية، وتجنح إلى التهويم بعيدا عمّا وقع، كمن يصّب الماء خارج الكأس، بلا اقتراب من العمق الثاوي خلف ما يحدث بسبب حساسيته المفرطة، وارتباطه الوثيق بالأيديولوجيا، والسياسة، ولهذا فنحن مقتنعون بقولة الفيلسوف الفرنسي (ريجيس دوبريه) حين كتب: (هل هناك خطاب لا تخترقه الأيديولوجيا؟ إنّها تفيض على العالم كلّه، وعلى الثقافة، والعمارة، والبضاعة، وتكتسب قيمة جدلية في مجال المفاهيم النظرية....وهي ذات علاقة بالسياسة، فحين تبسط السياسة براهينها، أو تهب البراهين نفسها للسياسة، يمكن حينئذ أن نتحدث عن حضور الأيديولوجيا)(2)، ويطلق د. عبدالسلام المسدي

 

 


(1) حرب الخليج الأولى هي الحرب التي دارت بين العراق وإيران، واستمرت ثمانية أعوام، تبدّد فيها الكثير من الأنفس، والأموال، وما تزال آثارها باقية حتى اليوم، أي سنة 2016، بالرغم من توقفها سنة 1988.

(2) ذكر هذا النّص حسن بزاينية في كتابه (كتابة السيرة النبوية لدى العرب المحدثين)، ص379.

قولته (مصداحة صارخة) على حدّ تعبيره: (...لا أمل في تحقيق حلم الديمقراطية إلاّ إذا كاشفنا جماهيرنا بما يقبع خلف الظاهر السياسي من تراكمات المسكوت عنه، وليس من وسيلة لتحقيق ذلك إلاّ تفكيك شفرة الخطاب)(1)، ولعلّ جانبا من هذا المسكوت عنه في السياسة العربية هو اللغة العربية في التعليم بمستوياته المختلفة. وهل نستطيع تفسير جمهرة من الظواهر التي برزت، وانتشرت في سائر أرجاء الوطن العربي بعد تينك الأحداث الجسام بمعزل عنها، ومن هذه الظواهر مثلا، هذا الانتشار الهائل للمدارس الخاصة(2) بدءا من رياض الأطفال، إلى ما قبل المرحلة الجامعية، وهي مدارس لا تأخذ بالمناهج التي اعتمدتها وزارات

 


(1) السياسة وسلطة اللغة، ص358، ويكتب د. عبد الخالق عبد الله بوضوح، وصراحة ما نصّه: (... لقد أصبحنا نعيش في عصر السياسة، وهذا هو عصر التسييس بامتياز، حيث ارتبطت كلّ شاردة، وواردة بالسياسة، وتمّ تسييس كلّ صغيرة، وكبيرة. لذلك أصبح فهم السياسة، وفهم أسرارها، وألغازها ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة. إذا أردنا أن نفهم الحياة فلا بدّ من فهم السياسة أولا، ومن لا يفهم السياسة لا يفهم الحياة المعاصرة). ينظر كتابه: اعترافات أكاديمي متقاعد، ص 48.

(2) من الضروري الإشارة هنا إلى أنّ إشكالية المدارس الخاصة في الوطن العربي تضرب بجذورها عميقا في التاريخ العربي، لعلّ هذه الجذور تقترب من قرنين سبقا، إذ من الممكن اعتبارها من جهة، مظهرا من مظاهر المثاقفة بين العرب، والغرب، ومن جهة أخرى تمثّل هذه المدارس تسربّا مدروسا للغات الأجنبية التي تستعملها هذه المدارس في التدريس، بالإضافة إلى إشاعة العادات، والتقاليد الغربية لدى طلابها، وقد ظفر الباحث بنصّ، رآه مهما بهذا الصدد، يسوقه مسعود ضاهر في هوامش كتابه (هجرة الشوام. الهجرة اللبنانية إلى مصر)، نقلا عن الأب منصور مستريح، مدير مكتبة مركز الدراسات الشرقية المسيحية في دير الفرنسيسان بالموسكي بالقاهرة، وهو قوله: (... يرى الأب منصور مستريح شبها كبيرا بين دور الإرساليات الأجنبية في مصر، وجبل لبنان، أو بلاد الشام بصورة عامة، فمدارس الإرساليات كانت أفضل من مدارس الحكومة في مجال التجهيز، وتعليم اللغات، والانفتاح على العالم الخارجي، والترقي الاجتماعي. لذلك أقبل عليها أبناء الأثرياء بصورة عامة، وكلّ من استطاع الدخول إليها بطرق مختلفة، خاصة الانخراط المباشر في طوائف الارساليات، ومع سياسة الانفتاح الأخيرة في عهد السادات عادت بعض الارساليات، والمدارس الخاصة إلى البروز مجددّا في مصر، على الرغم من رحيل الأجانب عنها، وانتقلت الرغبة بالتعلم في المدارس الخاصة إلى فئات واسعة من أبناء الشعب المصري حتى لا تكاد تجد مكانا شاغرا في مدارس الإرساليات العاملة في مصر، وعلى الرغم من مراقبة الدولة لعمل الإرساليات، وإشراف وزارة التربية المصرية المباشر على توزيع الطلاب في كلّ المدارس المصرية، ومراقبة برامجها، ومناهجها، وامتحاناتها، فإنّها باتت تهدّد بمخاطر التعليم الرسمي الحكومي في مصر)، ص93، وواضح أن الأب مستريح يتحدث عن تاريخ قديم يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وما بعده حتى زمن السادات، وهناك رأي يخالف ما ذهب إليه الأب مستريح متعلّق بالمدارس في ظلّ الدولة العثمانية،

التربية والتعليم، بل لها مناهجها الخاصة بها، المستوردة من الخارج، وليست العربية من ضمن اهتماماتها، بل نرى كثيرا من المدارس الخاصة تغيب فيها مادة اللغة العربية غيابا تاما، ويساعد على هذا، أولياء الأمور أنفسهم الذين يبدون رغبة ملّحة في أن لا يدرس أبناؤهم العربية البتّة، مكتفين باللغة الأجنبية، وليس بعيدا ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي عن أحد الأشخاص الذي يحمل بيده صورا لحيوانات معروفة مثل التمساح، والقرد، والضفدع، ويقوم بعرضها على أطفال مختلفي الأعمار في واحد من مراكز التسوّق، ويسأل أولئك الأطفال عن اسم الحيوان الموجود في الصورة، فيذكر الطفل اسمه بالإنجليزية، وحين يسأله عن اسمه بالعربية يعجز عجزا فاضحا، مّما يشير بقوة إلى أنّ هؤلاء الأطفال لم يتلقّوا درسا واحدا بالعربية، واللغة الأجنبية هي المسيطر ذات الصوت الوحيد، سواء أكان هذا التلقي في المدرسة، أم في البيت، وأنّى لهم أن يتلقّوا شيئا من العربية، وهم محاصرون بغيرها، ففي المدرسة تكون اللغة الأجنبية هي الحاضر الوحيد، وفي البيت تستقبلهم مدبّرات المنزل غير العربيات، ووسائل اللهو، والتسلية جميعها تنطق بغير العربية، وفي الشارع لا تطرق أسماعهم سوى رطانة هجينة، هي خليط من الإنجليزية، وبعض اللغات الآسيوية، والمهم في هذا كلّه أن لا تكون العربية من بينها، فأين يذهبون؟ فإذا لم تكن هذه (علامة) تستر وراءها ما وراءها، فكيف تكون العلامة إذن؟ وقبل هذه (العلامة) بزمن، يعلن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أنّ هناك خمسمائة وألفي مدرسة خاصة في مصر وحدها (تعدّ أبناء النخبة المصرية باللغات الأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى انبثاق فئة اجتماعية مقطوعة الصلة باللغة العربية، أي بالبيئة، والمجتمع المصري)(1).

 


نجده عند شربل داغر في كتابه(العربية والتمدن)، ص70، وعلى العموم فإنّ الأمر لا يقتصر على مصر وحدها، بل هو ظاهرة واضحة في أرجاء الوطن العربي، مشرقا ومغربا.

(1)            اللغة شأن سياسي. فيصل جلول. مقال منشور في صحيفة (الخليج) الإماراتية بتاريخ 28/3/2007، عن أمّ المشكلات. أهل العربية في واقعنا الحاضر، ص 109، وفيه: (...ويرسم د. كمال بشر صورة مؤلمة لطالبي الدخول إلى هذه المدارس الأجنبية حين يقول:... وفي السنوات الاخيرة اشتدّ الزحف إلى هذه المدارس بصورة تقلق بال علماء الاجتماع وعلماء النفس... وأصبح الالتحاق بهذه المدارس أمل كلّ أسرة، وحلم كل بيت، لترى الناس في بداية كل عام... يجرون ويلهثون، ينشدون مقعدا لصغيرهم، أو-في أقلّ تقدير- يطمعون في تسجيل هذا الصغير في قائمة المنتظرين، وليس من النادر أنّ تجدهم يصطّفون في أفنية

 

 ومن هذه الظواهر أيضا، استمرار تدريس العلوم البحتة بغير العربية في الجامعات العربية، وضمور حركة التعريب، ولم تقف هذه الظاهرة عند العلوم البحتة وحدها، بل رأينا العدوى تنتقل إلى العلوم الإنسانية، والأخرى القريبة منها، فتجنح كثير من الجامعات العربية إلى تدريسها بغير العربية، معتمدة على المناهج الأجنبية، والمدرسين من غير العرب، وقد استتبع هذا الوضع الجديد أنّ كثيرا من الجامعات العربية تشترط في طالب الوظيفة فيها أن يكون متخرجّا في واحدة من الجامعات غير العربية، حتى لو كان مجال تخصّصه اللغة العربية، أو علما من العلوم الإسلامية كالتفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو الأصول، فكأنّ في هذا سدّا ارتجاعيا للمنافذ بوجه الدارس العربي كي لا يجد بغيته إلاّ عند الآخرين، وليس عندهم سوى لغاتهم، وثقافاتهم، ممّا يعني تراجع الاهتمام بالعربية، أو اتخاذها لغة درس، أو أداة تواصل.

  وممّا يتصّل بما سبق، وهو من هذه الظواهر أيضا، ما أخذت به الجمهرة من الجامعات العربية، و تأخذ به حتى الآن من الاتفاق، والتعاقد مع جهة غير عربية، كأن تكون مركزا بحثيا، أو شركة ظاهرها ثقافي، وباطنها ما الله وحده عالم به، وهي أقرب ما تكون إلى ما يطلق عليه اليوم ب(بيوت الخبرة)، وتكون مهمة هذا (البيت) القادم الاطلاع على أنظمة الجامعة، وتوجّهاتها، وخطط كلياتها فأقسامها الدراسية، وطرق التدريس فيها، وإجراء مقابلات مع أعضاء هيئة التدريس للاطلاع على طرائق تفكيرهم، وأنماط اتجاهاتهم، ويصل الأمر إلى الحكم عليهم بالصلاح، والاستمرار في التدريس، أو على الضدّ من ذلك، وذلك لاختبار جودة ذلك كلّه، وهو المقياس الذي شاع فيما بعد تحت مصطلح (اختبار الجودة)، فإذا كان ذلك (البيت) المستجلب مؤهلا للنظر، فالحكم على تخصصات معينة، فكيف له أن يحكم على تخصصات أخرى، هو غير عارف بمبادئها، وهي اللغة، ناهيك عن التعمّق في تخصصّاتها الدقيقة، ومساربها المتشعبّة، وهنا تكمن المفارقة. فإذا صدح أحد بصوت هو إلى الخفوت أقرب منه إلى الارتفاع، وتقدّم باعتراض (منهجي) بحت من أنّ هذا (البيت) غير مؤهل للحكم بسبب افتقاده اللغة، والتخصّص، سارع المعجبون إلى الإجابة بأنّ بيت الخيرة هذا له وسائله في التقويم، والتحليل، والحكم، وليس من شروط هذه، اللغة والتخصص. ويقطع الشوط إلى آخره، فتظلم علوم، وتخفض ساعات، ويستغنى عن كفاءات، فلا رادّ لما يقول هذا البيت. أقول: إن لم يكن هذا مظهرا من مظاهر التبعية، فكيف تكون التبعية إذن؟ والحديث يطول.

 


هذه المدارس اصطفاف "السائلين"، عارضين أوراق صغارهم التي كثيرا ما يقذف بها في وجوههم، أو يضرب بها عرض الحائط)، ينظر كتاب د. كمال بشر: خاطرات مؤتلفات، ص149.

 ومن هذه الظواهر أيضا، هذا الولع العجيب، وغير المبرّر بمناهج النقد الأدبي الغربي، وتوظيفها في درس النصّ العربي، بلا أدنى مساءلة، أو تمحيص، بدعوى أنّ هذه المناهج كونية، وموضوعية، وإطلاقية، لا شأن لها بالتربة التي غرست فيها جذورها، واستوت على ساقها فيما بعد، وهذه نظرة قاصرة بلا شك، متحيزّة، بأساس معرفي أو بدونه، وهي محتاجة إلى إعادة نظر(1)، وممّا يفاقم الإشكالية، ويزيدها تعقيدا هذا الموقف الغريب، هو أيضا، من المنجز النقدي العربي القديم، الذي لا يستحقّ سوى عبارات التخوّن، والتبخيس، وكأنّ هذا المنجز لم يقدّم شيئا، ناهيك عن قدرته على البقاء، وتقديم ما هو نافع للحركة النقدية العربية الحديثة، وهو ما نلمسه عيانا في غرف الدرس، وعلى صفحات الجرائد، والمجلات المتخصّصة، وغير المتخصّصة.

    هذه أربع ظواهر جليّة، تتقرّاها اليد باللمس، والعين بالنظر، لا يمكن دفعها، أو إنكارها، وهي في ازدياد، وانتشار ملحوظين، ولن نتمّكن من الاسترسال في هذا الموضوع، فهو يخرجنا عمّا نحن فيه، غير أننّا أردنا التأكيد على أنّ المسألة برمتّها في قبضة السياسة، تسيرّها كيف تشاء، وكأن لسان الحال ينطق بصوت مبين: فتّش عن السياسة.

-5-

  بالعودة إلى الأسئلة السابقة، نستطيع القول باطمئنان إنّ أعداد الطلبة المنتمين إلى قسم اللغة العربية بجامعة الإمارات قبل 1991، عدد مقبول، يقترب إلى مدى كبير من بقية أعداد الطلاب في أقسام كلية الآداب الأخرى، ولم ألحظ تذمّرا، أو شكوى من إعراض سوق العمل عنهم بعد تخرجّهم، فمنهم من يواصل دراسته العليا خارج دولة الإمارات؛ لأن القسم لم يكن يطرح في ذلك الوقت برنامجا للماجستير، ومنهم من يشقّ طريقه في التدريس، وآخرون

 


(1)ينظر للتفصيل في هذه الظاهرة كتاب: (إشكالية التحيز في النقد العربي المعاصر)، د. علي صديقي، ص209، وما بعدها، وفيه: (... إنّ غاية ما يسعى إليه الناقد العربي هو تمّلك المناهج الغربية، واستيعاب مفاهيمها، فهو لا يملك الجرأة الكافية لمراجعة هذه المناهج، ونقدها، وبيان قصورها، وكشف تحيزاتها)، ص 258، وفيه أيضا، وهو نصّ لا يخلو من طرافة، ينقله عن عبدالقادر العرابي عبيد العمري اللذين وجدا أنّ الدراسات الاجتماعية العربية تغلّب (التبعية الفكرية على القراءة المستقلّة للفكر الآخر، وروح التعصب على النقد، حتى أننّا نجد بين الاجتماعين العرب بابويين أكثر من البابا، وماركسيين أكثر من ماركس، ودوركهايميين أكثر من دوركهايم)، تنظر ص 259.

 

تحتويهم وسائل الإعلام المتنوعة كالصحافة، والإذاعة، والتلفاز، وجمهرة رابعة تستقبلهم الوزارات، وأجهزة الدولة الأخرى حيث يعملون فيها مصحّحين لغويين، أو ما هو قريب من هذه الوظيفة، وتفتح أمامهم بعد هذا، فرص الترقيّ الوظيفي، بينما نلحظ بعد هذا، تناقص أعداد الطلاب الراغبين في الانضمام إلى قسم اللغة العربية بعد ذلك التاريخ، ربمّا لأنّ منافذ العمل قد ضاقت أمام خريجي القسم فآثروا التخصص في علوم أخرى، ولعّل هذا يسري على بقية الجامعات التي عمل فيها الباحث بعد ذلك التاريخ، وممّا يضاف هنا، وهو مهم، أنّ المناخ المجتمعي خارج الجامعة كان مناخا ودودا بالنسبة لأولئك الخريجين، والقسم كذلك، ممّا ساعد على إقبال الطلبة على القسم، بحسبان أنّهم يدرسون لغتهم القومية، ويتلقّون علومها، ولعلّ هذا المناخ قد تغيّر فيما بعد.

 وقد ظفرنا في أثناء البحث بوثيقتين تؤكدان هذا التغيّر، ومن الممكن اعتبار الأولى قرينة، والثانية دليلا. أمّا القرينة فنراها متمّثلة في (حزمة المبادرات الهادفة إلى الحفاظ على اللغة العربية، وتعزيز مكانتها في المجتمع التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي)(1)، ومن هذه المبادرات (ميثاق اللغة العربية) الذي احتوى خمس مواد، جاء في مادته الثانية ما نصّه: (اللغة العربية هي لغة الحكومة، وعليه تكون جميع الخطابات، والمراسلات، والوثائق، والاتفاقيات الرسمية، والقوانين، والأنظمة، والقرارات الصادرة عن حكومة دولة الإمارات باللغة العربية)، وجاء في مادّته الخامسة ما نصّه: (اللغة العربية عنصر أساسي في التعليم في دولة الإمارات، ويتوجّب على وزارة التربية والتعليم، وجميع الهيئات المعنية في الدولة أن تبذل قصارى جهدها لتطوير أساليب، ومهارات تعلّم العربية، وبناء قدرات مدرس العربية في المدارس الحكومية، والخاصة في الدولة بما يتطابق مع أعلى معايير العالمية، كما توجّه الحكومة الجهات المعنية لضمان التزام المدارس الخاصة بالتركيز على اللغة العربية لتمكين الطلاب الإماراتيين، والناطقين بالعربية من امتلاك أدوات لغتهم). أقول: لو كانت العربية بخير. تأخذ مكانتها اللائقة بها، والمناخ ودودا، مقبلا عليها لما كان هناك من سبب لمثل هذه المبادرات، على أهميتها، ومن هنا اتّخاذنا لها قرينة، تشير إلى ما هو واقع، ونقرأ في المجلة نفسها التي نقلت خبر تلك المبادرات، النصوص الآتية: (اللغة العربية تعاني إهمال المبدعين، وغياب

 


(1)            تنظر مجلة (دبي الثقافية)، العدد (85)، يونيو، حزيران، سنة 2012، ص52، وما بعدها. 

المؤسسات)، و(...هناك ما يشبه الأمية اللغوية في مجتمعاتنا العربية، وليس المقصود هنا عامة الناس، وإنّما المقصود كثيرون من حملة الشهادات العليا، والمثقفين)(1)، و(واقع اللغة العربية اليوم لا يدعو إلى التفاؤل، ولا يبشّر بالخير، بسبب غياب الخطط المنهجية، والاستراتيجيات، وبسبب إهمال البعض لها، والانجرار وراء الانجليزية: لغة العصر كما يقولون)، وهذه النصوص لمثقفين إماراتيين، أو وافدين يعيشون في دولة الإمارات، فكأنّ ما تقدّم قرينة، كما قلنا، تؤيد الإعراض عن درس العربية، وعلومها، والمناخ السائد الذي لا يشجّع على هذا الدرس، بل يفتح السبيل واسعا لغيرها من اللغات كي تحتلّ مكانها.

   أمّا الدليل، فهي شهادة ثمينة لمثقف إماراتي، رصد هذا التغيّر، بحسبانه مطلّعا اطّلاعا مباشرا على مسيرة جامعة الإمارات منذ التحاقه بالتدريس فيها، ولمدة ثلاثين سنة تقريبا، ونريد به د. عبدالخالق عبدالله الذي يكتب: (بدأت جامعة الإمارات تتغيّر في السنوات الأخيرة، ولم تعد جامعة أيام زمان...فجأة، وبدون مقدمات، وحوارات، واستعدادات قررّت الجامعة الوطنية الأولى التي كانت معقل، ومصهر الهوية الوطنية، التخلي عن اللغة العربية في التدريس، واتخّذ قرار مدهش بتحويل المناهج، والمقررات، والمساقات كافة إلى اللغة الانجليزية)(2)، ويضيف: (...وقد بادرت جمعية أعضاء هيئة التدريس في الجامعة إلى رفع رسالة حريصة، إلى صاحب السمو، رئيس الدولة، تناشده التدخل السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه)(3)، وممّا جاء في تلك الرسالة، ومن ضمن ما طالبت به (إعادة الاعتبار إلى اللغة العربية في جميع التخصصات، وفي المقدمة منها التخصصات الإنسانية، والاجتماعية، والإلغاء الفوري للتدريس باللغة الانجليزية التي أحدثت تصدّعا جسيما في هوية الجامعة)(4)،  إنّ هذا النّص يعني من ضمن ما يعنيه أنّ الإجراءات ل(تغريب) الجامعة كما يراها المعترضون، أو لربط الجامعة بالعالم المتمّدن، وصولا إلى العالمية كما يعتقد من دعا لها، ونّفذ إجراءاتها. أقول: إنّ هذا يعني أنّ التخلي عن اللغة العربية، واتخاذ الإنجليزية لغة وحيدة

 

 


(1) وقبل هذا، يكتب د. ابراهيم أبو الخشب عمّا يسميّه (عموم البلوى): (...ونحن نؤمن إيمانا لا شكّ فيه أنّ اللحن، والهزال، والضعف، والعجمة قد تمكنت من منطق الكبار، والصغار، حتى صار من الصعب أن نقول أستاذ، وتلميذ، وكلّ الناس في البلوى سواء). ينظر كتابه: محنة اللغة العربية، ص11، و36.

(2) و(3) و(4) اعترافات أكاديمي متقاعد، ص68و 71.

لم يقف عند حدود الكليات العلمية التي كانت لغة التدريس، والكتب فيها هي الإنجليزية منذ إنشاء الجامعة، بل امتّد إلى الكليات الإنسانية أيضا ليشمل التخصصات التي كانت لغة التدريس فيها هي العربية، ولا أدري ما مصير قسم اللغة العربية، وقسم الشريعة الإسلامية مثلا، وهل جعلت لغة التدريس فيهما اللغة الانجليزية؟ وهو مالم يشهده الباحث، كونه ترك الجامعة منذ سنة 1994، ورصده د. عبدالخالق عبدالله بنفسه حين كان أستاذا في الجامعة حين بدأ ذلك التغيير يبسط سطوته، ويمدّ سلطانه عليها.

 ولم يكن الأمر ليختلف كثيرا فيما تلا تلك المرحلة، سواء في الأردن، أو سلطنة عمان، أو الأردن مرة أخرى، فأعداد الطلاب آخذة في التناقص، والإقبال على أقسام اللغة العربية متواضع، والمناخ الذي رأيناه هناك، نراه هنا في هذه المرحلة، ولن تأخذنا الغرابة، أو تصيبنا الدهشة؛ لأن جذر الإشكالية واحد، يعمّ الوطن العربي برمتّه: مشرقه، ومغربه، وإن كانت النسبة في أحيان قليلة متفاوتة، ومظهرها متباينا في اللغة البديلة، والمفضّلّة لتكون الإنجليزية في المشرق، والفرنسية في المغرب، والأسباب معروفة، غير أنّ جذر الإشكالية واحد، متكررّ- كما قلنا – وهو الافتقاد إلى واقعة التقدّم، والهزيمة الداخلية، وولع المغلوب بالاقتداء بالغالب على مقتضى قولة ابن خلدون النافذة حتى الآن.

  وممّا يجب إضافته هنا، وهو يسند ما افتتحنا به هذا البحث من إعراض الطلبة في الجامعات اللبنانية عن درس العربية وعلومها. أقول: ممّا يجب أن يقال هنا عن حالتيْ العراق، ومصر. فبعد البحث، والتقصّي، والسؤال أفادني أحد الأفاضل من المطلّعين على الواقع التعليمي في العراق أنّ عدد المقبولين بقسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة بغداد للعام الجامعي 2012-2013، هو مائة طالب، لم ينتظم في درسه بالقسم منهم سوى (88) طالبا، وتسرّب الباقون إلى تخصصّات أخرى، ونبّه هذا الزميل الفاضل على ظاهرة، رأيتها الغاية في الأهمية، وسنرى نظيرا لها في الجامعات المصرية، وإن بمظهر مختلف قليلا، وتتلخّص هذه الظاهرة في أنّ الطلاب العراقيين يلتحقون بأقسام اللغة العربية، ليس رغبة في القسم، بل لأنّ التنسيق، ومعدل الطالب في المرحلة الثانوية هما اللذان ساقاه إلى هذا القسم، بما يقرب من الإكراه، بالإضافة إلى أنّ الحاصل على شهادة الثانوية لا يعيّن في الوظائف الحكومية إلاّ بصعوبة، وفي وظائف متدنّية، بينما يعيّن الحاصل على درجة البكالوريوس في الوظائف الحكومية، بغضّ النظر عن تخصصّه، وبما يتيح له في المستقبل فرص الترقية، وزيادة الدخل المالي، ومن هنا نلاحظ أنّ دراسة تخصّص اللغة العربية مرتبطة ارتباطا وثيقا بسوق العمل، وعلاقته بالرغبة في درس العربية علاقة واهية، تجيء، ربما، في الدرجة الثالثة، أو الرابعة، ومن هنا يصحّ القول إنّ الاعتماد على (الإحصاء)، أي إحصاء عدد الطلاب المنضوين في أقسام اللغة العربية هو الظاهر حسب، الذي يخفي خلفه مسكوتا عنه ذا حجم كبير من المصداقية.

  ونرى الشيء نفسه، أو قريبا منه في مصر، إذ تستقبل الجامعات المصرية آلافا من الطلاب الذين يدخلون أقسام اللغة العربية، ولكن ما وزن هذه الآلاف في ميزان الرغبة الحقيقية؟ نترك الجواب للدكتور أحمد درويش، وهو المطلّع اطّلاعا كافيا على هذا الموضوع، وخباياه. يكتب: (... والواقع أنّ النظرة العامة على نوعية الدارسين الذين يقبلون على التخصّص في اللغة العربية تثير بعض التساؤلات من حيث ضالّة الرغبة، وعدم توافر عنصر الاختيار بين الدارسين أنفسهم لدراسة اللغة العربية، ويظهر كذلك في تواضع كفاءاتهم في الفترة السابقة على التخصص)(1)، ويضيف: (إنّ معظم هؤلاء الدارسين تدفعهم إلى هذا التخصّص قوائم مكتب تنسيق القبول بالجامعات بعد أن تضيق أمامهم فرص الاختيار في التخصصات الأخرى، نظرا لقلّة مجموع درجاتهم نسبيا في الثانوية العامة... ويترتّب على هذا أن تقبل أقسام اللغة العربية بالجامعات، الطلاب الذين لم تقبلهم التخصصّات الأخرى... ولهذا فقد أصبحت كليات الآداب، واللغة العربية، ودار العلوم، والتربية تستقبل كلّ عام آلاف الراغبين في إكمال دراساتهم الجامعية في تخصّص اللغة العربية ممّن قادهم مجموع درجاتهم إلى هذه الكليات وسط ظروف الإعداد اللغوي المتواضع...ووسط عدم التحمس للتخصّص الناتج عن عدم الاختيار)(2)، فإذا أضفنا إلى ما سبق، أنّ عدد سكان مصر تجاوز تسعين مليونا بمليونين، وهذا الرقم مرشّح للزيادة. أقول: إنّ الالاف التي تدخل إلى أقسام اللغة العربية ضئيلة بالقياس إلى عدد السكان عموما، وعدد المقبلين على الدراسية الجامعية خصوصا، فكأنّ الإشكالية عامة، تنتظم الوطن العربي كلّه، ذلك لأنّ أسبابها متقاربة، إن لم تكن واحدة.

-6-

  تأسيسا على ما تقدّم، ومن واقع التجربة الشخصية في تدريس علوم العربية في أربع جامعات عربية لمدة تقترب من ثلاثين عاما، والاطلاع على نظم تلك الجامعات، والمقررات

 


(1) إنقاذ اللغة. إنقاذ الهوية، ص 146

(2) المصدر السابق، ص 146.

التدريسية بأقسام اللغة العربية في تلك الجامعات، ومن خبرة متواضعة بالمجتمعات العربية، وتوجهاتها العامة، وارتباط هذه التوجهات بالسياسات المختلفة، والمتنافرة في بعض الأحيان، ومن رصد دقيق للاكتساح (العولمي) الذي لم يشترك العرب في اختراعه، وصناعة وسائله، أو التنظير له، والمتمثّل خصوصا في وسائل الاتصال التي هي في ازدياد، وتنوّع دائبين، كالإذاعات، والفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى ما تدفع به الشركات من تحديث لكثير من هذه الوسائل التي يقترن الصوت فيها بالصورة، مع القدرة على التلاعب بالصورة نفسها لتعرض بهيئة جديدة، لعلّها النقيض تماما مع الأصل. أقول: تأسيسا على هذا الذي سقناه قبل قليل، وذاك الذي رصدناه، يمكن إقامة موازنة فيها من الملاحظة، والتروي، والإنصاف الشيء الكثير، وعمود هذه الموازنة اللغة العربية في المدرسة، والجامعة، والمجتمع، وذلك عمّا كانت عليه في الماضي القريب، وما آلت إليه اليوم، مع التأكيد على أنّ مفاصل هذه الموازنة ليست سوى الظاهر، المشاهد حسب، وهو الذي يستر وراءه مسكوتا كثيرا عليه، وهو ما نلّح عليه دوما، ولا نملّ من تكرار الإشارة إليه. وقد تمكّن الباحث من استخلاص ستة مفاصل تنضوي تحت هذه الموازنة، وهي بمجموعها تشكّل الصورة العامة للعربية كما استقرأها الباحث من خلال التجربة، والقراءة.

   أول هذه المفاصل، هو الموقف النفسي إزاء العربية لطلاب المراحل التي تسبق المرحلة الجامعية، وهي المراحل التي تؤهل هؤلاء الطلاب للدخول إلى الجامعات على اختلاف تخصصاتها من جهة، ورغبات الطلاب من جهة أخرى، فإذا استثنينا كثيرا من طلاب المدارس الخاصة التي لا تدخل العربية من ضمن الدروس التي يتلقّونها؛ لأنّ الاهتمام منصبّ على اللغة الأجنبية التي تلقى العلوم المختلفة بهذه اللغة. أقول: إذا استثنينا هذه المدارس الخاصة، فإنّ الموقفين من العربية متباينان تباينا شديدا، إذ كان موقف الطلاب النفسي من العربية هو الرضا، والقبول بما يلقى إليهم، مع قدر كبير من الاحترام لها، ويساعد على ذلك كلّه، المجتمع الذي دفع بأولئك الطلاب إلى المدرسة، فهم لا يسمعون من ذلك المجتمع، والمناخ السائد فيه سوى عبارات التبجيل، والتقدير للعربية، بحسبان أنّها لغتهم الوطنية، فإذا امتزجت بالقرآن الكريم، والتراث العربي أخذت المسألة بعدا آخر، ووجهة مختلفة تقترب من التقديس. وكانت المدرسة عشّ العربية، وكهفها الذي تأوي إليه، وهي آمنة، مطمئنة، يسندها كتاب مدرسي جيد، قام بوضعه خبراء أفاضل، هم راسخون في علمهم بالعربية، مدركون المستويات العمرية، والفكرية المختلفة للطلاب، مقدّرون أهمية عملهم، وارتباطه الوثيق بهوية المجتمع، ويسندها أيضا مدرّس مخلص، لا يقلّ علما، ومسؤولية عن واضعي الكتاب المدرسي، يؤدي مهمته على أحسن الوجوه، فهو مكتف معيشيا، محترم مجتمعيا، فليس له بعد هذا إلاّ أن يدرّس، ويوجّه، ويبني. وقد عشت مع جيلي تلك المرحلة، ويعلق في الذاكرة مواقف، ومشاهد عن الكتب، والمدرسين تؤكد(1) ما سبق، ويؤيدها من عاش تلك المرحلة أيضا. وتختلف الصورة اليوم اختلافا جذريا عمّا سبق، فليست هناك سوى عبارات التذمّر، والضيق، والعبوس، يواجه به درس العربية، والسبب المعلن لذلك كلّه، وهو يجري على الألسنة، ويهرف به من يعرف، ومن لا يعرف، ويتخّذه الكسول تكأة يبرّر بها فشله، هو صعوبة العربية، وتشعّب مسالكها، واستحالة السيطرة على أغوارها، وكأنّ هذه الصعوبة – إن وجدت – لا تشترك فيها مع بقية اللغات، والعلوم. وهل هناك علم، أيّ علم، يدرك بالسهولة، والاسترخاء، والاتكال ولعلّ هناك سببين، ليس هنا موضع مناقشتهما، هما الكتاب الدراسي، ومستوى المدرس المعرفي، ومن الممكن أن يمثّل هذان السببان جانبا من الإشكالية، ولكنّها ليست الإشكالية الحقيقية، فعلى طالب العلم أن يقدّم الجهد، ويبذل الوسع، ويصمد للتلّقي، فإن كان على الضّد من ذلك، فلن يبرع في أي علم، سواء أكانت العربية أم غيرها، ولم يعد هذا المشجب مقنعا كيْ تعلّق عليه حال العربية المتراجعة في نفوس الطلاب، ولا تفوتنا الإشارة إلى (الخارج)، وهو المجتمع الذي يغذّي هذا الإعراض، ويقدّم الحجج التي تسند الطلاب(2)، غير أنّ ما خفي هو أعظم، كما يقال.

 وثاني هذه المفاصل، هو أعداد الطلاب المقبلين على التخصص في اللغة العربية وعلومها، فبعد أن كانوا بأعداد مقبولة، وتأخذ هذه الأعداد طريقها إلى الزيادة، نراها اليوم

 

 


(1) إنّ ما يقوّي هذا الرأي أيضا هو (نموذج) المدرّس الذي قدّمته السينما المصرية في أفلام الأربعينات، والخمسينات، إذ كانت صورته تقترب ممّا ذكرناه في المتن من حيث الاكتفاء، والاحترام المجتمعي له، ومشاركته الفاعلة في التنمية، وبناء الأجيال، ولعلّ الصورة تزداد وضوحا حين توازن بنموذج المدرس (البائس)، ذي الملابس الرثّة، المظلوم اجتماعيا. أقول: علينا ألا ننسى أنّ ذلك النموذج كان يعمل في مدارس خاصة، همّها الربح، وإرضاء من يدفع على حساب المدرس، وكرامته الذي يأخذ، وما يأخذه حقّ له، ولكنّها قوانين العرض والطلب.

(2) حدّثني غير واحد، ممّن أثق بهم، من المدرسين في بعض المدارس الخاصة أنّ كثيرا من أولياء أمور الطلبة، يأتون إلى المدرسة، وهم متذمّرون من أنّ المدرسة تدرّس أبناءهم اللغة العربية، والدين الإسلامي، وتلجأ إدارة المدرسة إلى اللين، ومدّ جسور التفاهم مع هؤلاء، بحسبان أنّ هذين الدرسين هما مّا تقررّه وزارة التربية والتعليم، ولا تملك المدرسة تغييرا لهذا الإلزام. وتكون النتيجة أنّ كثيرا من أولياء الأمور يسحبون أولادهم من هذه المدارس الخاصة إلى أخرى، ليس من بين موادها التدريسية اللغة العربية، والدين الإسلامي. وقد شاعت هذه الظاهرة، وهي آخذة في الانتشار، وهو ما لا يمكن إنكاره.

تتجّه إلى التناقص، بل ابتعاد يكاد يكون تاما عن هذا التخصص، ولم نفتتح هذا البحث بكلمة (الصفر) التي هي شعار المعرضين عن العربية في لبنان إلاّ لنلفت النظر إلى هذا المفصل، غير أنّ للمسألة وجها آخر، لا يقلّ أهمية عن الوجه الذي عرضناه آنفا، وقد ألمعنا إليه فيما سبق، وهو أنّه قد يكثر عدد المقبلين على التخصص في العربية هنا، وهناك، في العراق، ومصر مثلا، غير أنّ الرغبة الحقيقية النابعة من الذات ليست هي السبب في هذا الإقدام على درس هذا التخصّص، ومعلوم أنّ الرغبة الصادقة ركن ركين في هيكل الإبداع المستقبلي، فبدونها تتساوى الأمور: خيرها مع شرّها؛ لأن المهم هو الشهادة، وهي ستنال في أحسن الأحوال، أو أسوئها، ولعلّ تدّني المعدل الدراسي في الثانوية العامة، ومقاييس التنسيق التي تحكم دخول كلية ما، أو قسم معين، هما السببان الواقعيان في دخول أفواج، وأفواج إلى أقسام اللغة العربية، ولن تكون النتيجة إلاّ نتيجة مؤلمة، محزنة، فبالإضافة إلى أنّ الطالب يدرس تخصّصا هو غير مقتنع به، فإنّ نصيبه من الإبداع فيه لن يكون إلاّ ضئيلا، متواضعا، ولذلك علينا أن لا نأخذ (الكثرة) على أنّها علامة من علامات العافية، بل ربمّا تكون على الضدّ من هذا، لتكون آية من آيات الضعف، والمرض، وهل لي أن أستشهد ببيت العباس بن مرداس حين يقول:

             بغاث الطير أكثرها فراخــا

وأمّ النــسر مقــلاة نزور

ومثله بيت المتنبي:

أعيذها نظرات منك صادقة

أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

 

وليس البغاث من جوارح الطير، بل من ضعافها، وهو الذي لا مخالب له، فهو غير قادر على الصيد، وهذه البغاث كثيرة كثرة جمّة، وبسبب هذا الضعف، وقلّة الحيلة اللذين يسمانها، فهي كثيرة الفراخ، لا تصيد، ولا تصاد، وهذا شأن كلّ مبذول، رخيص، غير ذي قيمة، ولذلك علينا أن لا نبهر بكثرتها، فهي كثرة قليلة النفع، نزرة الجدوى، ومثلها ذلك الورم في بيت المتنبي الذي يحسبه الناظر من دلائل الصحة، وآياتها، فهذا، أيضا، لا ينبغي له أن يخدعنا، فهو ورم ليس إلاّ، ووراءه ما وراءه من علل، وأسقام، فهذا، وذاك مثل كثرتنا التي ابتلينا بها، فهي أقرب إلى البغاث، والورم الذي يقتضي تدبير العلاج، ومعاودة المداواة له، لئلا يستفحل، وينتشر، وقد استفحل في

موقفنا الذي نحن فيه، وكأنّ التنبّه عليه، وإدراك مخاطره أول العلاج، ومبدؤه. ولن نترك (الخارج) حتى نقف عنده قليلا هنا أيضا، بل لعلّه من أكثر العوامل تأثيرا في النأي بخريجي الثانوية عن تخصص العربية، وذلك من خلال ما يفرغ هذا (الخارج) في آذان الأبناء من (نصائح)، و (إرشاد) إلى ضرورة التوجّه إلى التخصّص العلمي، أو التخصّصات الجديدة المستحدثة، فإذا التقى هوى الناشئ، المبتدئ بـ (نصائح) من هم أكبر منه سنّا تحقّق المراد، وهو أن يشيح هذا الناشئ عن العربية وعلومها إلى تخصصّات أخرى، فهي أجدى، وأنفع، وأضمن للترقّي المجتمعي، وأمر آخر متعلّق بهذا (الخارج) تعلّقا شديدا، وذلك حين تسود ثقافة الشهادة الجامعية التي تراها الجمهرة الكبيرة من هذا الخارج رمز التميّز، وعلامة (الوجاهة)، فإذا لم تتحقّق الرغبة المطلوبة، فليكن التخصص في العربية هو بديل المكره، المضطرّ. أليس شهادة جامعية في نهاية المطاف؟ وبهذا نستطيع تفسير ظاهرتي القلّة، والوفرة معا حين ننظر بعينين مفتوحتين، باصرتين، وقدرة على النفاذ إلى شيء من بواطن الأمور المختلفة إلى مدى بعيد عن ظواهرها.

  ويتعلّق مفصل ثالث، لا مناص من التوقف عنده؛ لأنّه ذو مساس شديد بالمفصل الثاني، وملخّصه هو ما لحظناه سابقا من أنّ كثيرا من المقبلين على التخصص في اللغة العربية قد حازوا معدلات جيدة، إن لم تكن عالية، في الثانوية العامة، ويتيح لهم ذلك المعدّل المرتفع ولوج تخصصات غير العربية، غير أنهّم اختاروها بمحض رغبتهم، وأذكر، ويذكر غيري، أنّ أولئك نصحوا –على استحياء ممّن نصحهم- أن يختاروا تخصّصا غير العربية، ولكنّ كثيرا منهم أصّر على اختياره، ودخل قسم اللغة العربية، سعيدا بهذا التخصّص، ملبّيا رغبته، وشاقّا طريقه للنهل من علومه، والإبداع فيه فيما بعد. ولا شكّ أنّ الصورة مختلفة اليوم عمّا سبق، فذو المعدّل العالي لا يفّكر في الاقتراب من قسم اللغة العربية، بل هذا غير داخل في حسابه قطّ، وتنتشر مقولة نراها سائدة اليوم، تتناقلها ألسنة كثيرة، وخصوصا لدى الطلاب، وهي: هل حصلت على هذا المعدل العالي كي أدفن نفسي في هذا التخصص، وإلاّ فما نفع الدرس، والصبر، والسهر؟ هل يذهب هذا كلّه سدى، ويتطاير مع الريح؟ وكأنّ التخصّص في العربية مرض يجب الابتعاد عنه، ففيه ضياع الجهود، وهدر المواهب، ولعلّ النتيجة معروفة سلفا، وهي أنّه لن يدخل أقسام اللغة العربية إلاّ من حصل على معدل متدّن، بالإضافة إلى انتفاء الرغبة أصلا، وهنا يجب القول بصراحة إنّ التدبير الذي يضعه العاملون في مكاتب التنسيق الجامعي يتحمّلون فيه جانبا من هذا الوز، وذلك حين يتيحون لذوي المعدّل المتدنّي أن يقبل بقسم اللغة العربية، ممّا يرسّخ تلك الفكرة الذائعة من عدم جدوى هذا التخصّص، والدليل بين أيدينا، وهو هذا المعدل الذي تعتمده لجان التنسيق، فاللوم عليهم، لا على الطالب وحده، والخارج معه، وهو ما ينمّي هذه القطيعة، ويعمقهّا سواء بالنفخ في نارها كي تزداد اشتعالا، أو في الواقع العريض الذي سيواجهه خريج اللغة العربية، وهو ما سنراه في مفصل قادم.

 ويتّصل بذاك الذي سبق، هذا المفصل الذي نحن بصدده، وهو الرابع، من حيث النظرة العامة لأقسام اللغة العربية، والموقف منها، فقد كانت تلك النظرة مشوبة بالاحترام، محاطة بالتقدير من فئات المجتمع المتنوعة، سواء أكانت فئة المثقفين على اختلاف مشاربها، أم أنصاف المثقفين، أم الجمهور الواسع. فما أن يبدي الفتى، أو الفتاة رغبتهما في درس العربية حتى تنثال الذكريات، وتتهاطل العبر، ويقرن ذلك كلّه بلغة القرآن الكريم، والتراث العربي العريق، فهذان، أي الفتى والفتاة، سيكونان في الصميم من لغة القرآن الكريم، والتراث العربي، وفي موقع المركز فيهما، ويضاف إليهما اطلاعهما على حديث الأدب، ومعاصره، وهو الذي تلهج به الخاصة، ولا تنكره العامة. وتتوالى الأسئلة التي كان جوابها حاضرا، مفهوما، مثل: ألن يقضيا، الفتى والفتاة، أربع سنوات في ذلك المناخ الذي يعبق بفرائد القرآن، وجواهر التراث؟ ألن يصبحا، فيما بعد، سواء أقبل التخرج أم بعده، شارحين، ومفسرين لكثير من المسائل التي تشكل على الأهل، والمحيطين بهما؟ ألن يفتح لهما هذا التخصص سبل التخصص الأعلى لمزيد من التبّحر، والاقتراب من تلك الفرائد، والجواهر؟ إنّ هذا كلّه حاضر حضورا قويا في المناخ العام، وهو ما رأيته عيانا، وأحسست به شعورا، ومواقف عملية، ورآه، وأحسّ به غيري من الذين عاصروا تلك المرحلة، وعلى النقيض تماما مّما سبق، هو ما نراه، ونسمعه، ونشعر به اليوم. ولعلّي أستدعي قطعة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو منطبق على الحالة، ينطق بلسانها، مع بعد الشقة، وامتداد الزمن، وذلك حين يصف قوما، يقفون على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، وهؤلاء –وهنا مربط الفرس- كما يقال (قوم من جلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا)(1). نعم، هم من جلدتنا، ولسانهم عربي، وهويتهم عربية، غير أنّها قشرة، تخفي ما الله وحده به عليم. ونريد بهؤلاء القوم طبقات مختلفة في المجتمع، سواء أكانوا أهلا، أم أصدقاء، أم مناخا عاما، فكأن الجميع قد تواطأ على هذا الموقف المريب من تخصّص اللغة العربية، وأخص بالذكر هنا، وسائل الإعلام المتنوعة، وعلى رأسها الفضائيات التي تدفع في كلّ يوم، بل في كلّ دقيقة أخلاطا من العاميات، واللغات الأجنبية،

 


(1)            ينظر: صحيح البخاري، ص.64، رقم الحديث (3606)، وصحيح مسلم بشرح النووي، 226/4، وسنن ابن ماجّة، 1317/2، رقم الحديث (3979).

والرطانات(1)، غير آبهة بلغة المتابع العربي، بل همهّا الربح، وغايتها الترويج لما تريد الترويج له، ولم تقف هذه الوسائل عند هذا الحدّ، بل تجاوزته إلى السخرية، والتنقّص بمن يمثّل العربية، سواء أكان من علماء الدين، أم من المتحدثّين بالفصحى، وتجاوزت مرة ثالثة، وكأنها لم تكتف بما جنته أيديها، فنراها تعمد إلى مطابقة العربية الفصحى مع الإرهاب، وهو المصطلح المنتشر انتشارا واسعا في أيامنا هذه، ويلتقط د. عبدالسلام المسدي هذه الظاهرة الخطيرة ليكتب عنها قائلا: (...ما يعنينا هنا، هو أنّ أفلاما، ومسلسلات أثبتت نفسها بمشاهد تصوّر ضمن حبكتها الدرامية، الاجتماعات السرية التي يعقدها المدبّرون للعمليات الإرهابية، اعجب أو لا تعجب! فجأة تتحوّل لغة الحوار من العامية إلى العربية الفصحى، وتندفع أنت تطوف بكلّ مخزوناتك الذهنية، والنفسية، وبكلّ ما أوتيته من علم، ومعرفة في علوم اللغة، والإبداع، فلا تعثر على سبب واحد، وجيه يفسّر لك هذا الانتقال، فضلا عن تبريره... فغير مجد أن تفيض في تفسير ما يتوارى خلف ذلك من مكر، ودسّ ينتهيان بالأغرار، وربمّا بالفطنين أيضا إلى الربط الآلي –بوعي أو بلا وعي- بين العربية والإرهاب)(2)، و ربمّا كان قسم ممّن يستقبل تلك المشاهد من الأغرار، على حدّ قول د. المسدي، غير أنّ فيهم من الفطنين الكثير، ولعلّ ما يجمعهم بعد أن دفعت الفضائيات إليهم ما دفعت، هو البعد عن العربية ودرسها، وإيثار السلامة، وتقديم العافية، فمن (يورّط) نفسه في درس لغة هي واحدة من

 


(1)تكتب ندى الأزهري ما نصّه: (...وقفت الحسناء التي لجأ إليها الشاب لترافقه في (الشوبينغ) (التسوق)...وأبدت موافقتها على مساعدته في مهمته المعقدة... في (المول)(المركز التجاري) حيث التقيا، تنقلت به من محل إلى آخر، لتشرح له مواصفات (اللوك)(المظهر) المناسب. مناسب لمن؟ لم تخبرنا. ثم صارحتنا بذوقها فيما يخصّ (الشوز)(الأحذية)، وكما يبدو هي (أولويز)(دائما) تعتمد (البراون)(البني). بعد شراء الحذاء، جاء دور (الشميز)(القميص) الذي يمكن أن يلبس داخل البنطلون، مع (بيلت)(حزام)، أو يوضع (أوت)(خارجه، وتقصد خارج البنطلون)... ثمة اقتراحات أخرى، وكلمات عدة عن (البوتون)(الأزرار)، ونوع القبعة (سكوير)(مربعة)، وكلّ ما يمكن له أن يلوّث الأذن، ويوجعها)، وتعلّق على هذا الذي مر به بقولها: (...لسنا أمام محطة أجنبية، أو ضيفة أجنبية تحاول التحدّث بالعربية. نحن أمام تلفزيون (دبي) الذي كان يبّث برنامجا اسمه (دليلك). المقدّم الخليجي استضاف فتاة لبنانية، وذهب معها في جولة (دليلك)؟ لم نعرف لماذا؟ للاستهلاك، لاختيار الملابس، أو الطعام... أو أشياء أخرى، لكن بالتأكيد ليس دليلا للغة عربية). ينظر مقالها: دليلك للغة هجينة، صحيفة (الحياة)، بتاريخ 23/12/2016، ونكتفي بهذا النموذج، وهناك عشرات، بل مئات غيره.

(2)العرب والانتحار اللغوي، ص.14.

 

أسباب الإرهاب، هذا الخطر المستطير الذي تحاربه الدول، وتكافحه المنظمات، وتحاول اجتثاث جذوره الحكومات، وهو، بعد، بليّة لا تعدلها بليّة، فهل يبقى لدرس العربية أيّ معنى حين يشيع في المجتمع هذا النموذج، وما يقترب منه؟

 ويسلمنا المفصلان الخامس، والسادس إلى ما هو متّصل بحياة الناس، وأسباب عيشهم، وهو الوظيفة، وهنا علينا أن نتحلّى بقدر كبير من الإنصاف حين نعالج هذين المفصلين المترابطين، وقد جعلتهما في موضع واحد لاتصالهما الوثيق، وكأنهما المقدمة التي تفضي إلى نتيجة.

  اللغة الأجنبية في الوطن العربي اليوم هي (لغة الخبز)(1)، ولم تكن كذلك في زمن مضى، فقد كان خريج اللغة العربية يحصل على الوظيفة التي تناسب تخصّصه، شأنه شأن غيره من خريجي الأقسام، والكليات الأخرى، ويواجه، اليوم، هذا الخريج نفسه صعوبات جمّة في الحصول على وظيفة تناسبه، إلا إذا استثنينا تدريس العربية في المدارس التابعة للدولة، وربمّا أغلقت دونه الأبواب في المدارس الخاصة التي تدفع رواتب أعلى من المدارس التابعة للدولة، وهي تشترط شروطا أخرى يجب توفّرها في هذا الخريج، وهي اللغة الأجنبية، ولعلّها تتغافل عمّا هو أمر واقع، ذاك الذي نقدّمه على هيئة تساؤل صريح، وهو: أنّى لهذا الخريج أن يحصل على مستوى جيد بلغة أجنبية، وهو الذي أنفق أربع سنوات في درس العربية وحدها، ولا تتيح له برامج الدراسة، درس لغة أخرى، فالإنجليزية لغة عابرة في هذه البرامج، أمّا اللغات الشرقية التي تتضمنّها هذه البرامج مثل: العبرية، والفارسية، والتركية، فهي لغات مستغنى عنها في هذه المدارس الخاصة لعدم الحاجة إليها البتة، فهي غير داخلة أصلا في برامج هذه المدارس، وفي المقابل يأخذ خريج أقسام اللغات الأجنبية فرصته كاملة في الحصول على الوظيفة، فالمدارس، وخصوصا الخاصة، تطلبه، وجوانب متنوعة في المجتمع تتلقفّه، وهذا المجتمع نفسه يضفي عليه هالات من التميّز، والفرادة كونه يحسن لغة أجنبية

 

 


(1)            التعريب في الجزائر. عثمان سعدي، ص53.

لا غير(1)، أمّا العربية فليكن موقعها التأخر، واستمطار البركة من جهات قليلة جدا.

 وهنا يبزغ ما أشرنا إليه في مفتتح هذه الفقرة من ضرورة التحلّي بقدر كبير من الإنصاف في معالجة هذين المفصلين. أقول: إذا كانت العربية وحدها غير كافية، وإذا كانت اللغة الأجنبية هي الوسيلة الوحيدة للوظيفة الجيدة، وإذا كان شرط اللغة الأجنبية يفرض حتى على خريج اللغة العربية، فلم لا يختصر هذا المقبل على دخول الجامعة، ومعه الأهل، والمجتمع، الطريق، فيتّخذ اللغة الأجنبية تخصّصا له، ما دامت النتيجة معروفة سلفا، وقيل في المثل: المجرّب لا يجرّب، وبين أيدينا مئات، بل آلاف التجارب الملموسة، ولو انتقلنا إلى درجة أعلى، ونريد بهم حملة الماجستير، والدكتوراه في تخصّص اللغة العربية، فهؤلاء يشترط أنّ يتوفر فيهم الشرط نفسه، وهو إتقان لغة أجنبية، مع شرط تفضيلي آخر، وهو حصولهم على درجاتهم العلمية العالية من جامعات غير عربية، كأن تكون بريطانية، أو أمريكية، أو فرنسية، أو ألمانية، وما سواها من اللغات الأخرى، وكأنّ في هذا الشرط نزعا غير مباشر للاعتراف بأهلية الجامعات العربية، وقدرتها على منح درجات عليا في التخصّص، حتى لوكان هذا التخصّص في علوم اللغة العربية، أو العلوم الإسلامية. وها هو باب آخر يغلق بوجه الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة عربية، فأين يذهب؟ ويؤيد هذا الذي مرّ، ما قرأته في إحدى الصحف العربية من وقت قريب جدا، وهي تعلن على صدر صفحتها عن حاجة إحدى الجامعات الخليجية لتعيين مدرسين من حملة الدكتوراه في تخصّصات مختلفة، منها الاقتصاد، والسياسة، والتربية، وغيرها، وهي تلزم المتقدمين إلى هذه الوظائف بالشرطين السابقين: إتقان اللغة الإنجليزية، والحصول على الدكتوراه من إحدى الجامعات غير العربية، وهو أمر مفهوم، غير محتاج إلى إيضاح؛ لأن لغة التدريس، والبحث في هذه الجامعة، وسواها من الجامعات، هي اللغة الأجنبية، حتى فيما يسمّى بالعلوم الإنسانية، فلكي يعتدل الميزان –على وفق منظارهم- على المدرس أن يتقن لغة الجامعة، وإلاّ كيف سيقوم بالتدريس، ونقل المعرفة باللغة الأجنبية إلى الطلاب

 

 


(1)            يكتب الغيلالي، عبدالكريم ما نصّه: (... أمّا تأثير الفرنسية اجتماعيا في المغرب، فما يزال ساريا بقوة، فإتقانها يحيل على طبقة عليا راقية، والوظائف المهمة في القطاع الحكومي، والخاص تستقطب الذين يتقنون هذه اللغة، وهذا أمر غير مستغرب، إذا علمنا أنّ التعليم العالي في المغرب ما يزال مفرنسا). ينظر بحثه: السياسة اللغوية في المغرب، المنشور بمجلة (المستقبل العربي)، العدد (406)، سنة 2012، ص109-110.

  ألم يكن عثمان سعدي محقّا حين وصف اللغة الأجنبية ب(الخبز)، ويكمن خلف هذا الخبز أسباب، وأسباب، ويستتر خلفه مصالح، واتفاقيات، ومكر، لعلّي شرحتها بتفصيل في كتابي (أمّ المشكلات. أهل العربية في واقعنا الحاضر)، فلا موجب للتكرار، فكأّن المسألة، وهي شائكة، شبكة من العلاقات، أو حلقات السلسلة، يفضي بعضها إلى بعض، ولا يمكن فهم الأمر على حقيقته بغير النظرة الكلية إلى (الشبكة)، وفكّ تلاحمها، و(السلسلة)، وفصل حلقاتها، عند ذاك ستبدو الصورة أكثر وضوحا، وأكثر إنصافا، وأشدّ إيلاما أيضا.

-7-

 افتتحت هذا البحث بشهادة، وأختمه بشهادتين معاصرتين تؤكدان مفاصل الموازنة السابقة تأكيدا كبيرا، وتشيران إلى أنّ الأخطار التي تكتنف العربية، لا يقول بها المختصّون على اختلاف تخصصّاتهم وحدهم، أو ينفرد بها المهتمّون بأمرها دون سواهم، أو يغرّد بها الحالمون بمفردهم، بعيدا عن واقعهم، على مقتضّى ما تدّعيه فئة هي ليست بالصغيرة، من أنّ العربية بخير، وكثير من الأدلّة تدعم ما يذهبون إليه على زعمهم، ويسوقون من هذه الأدلّة، ما يدهش العقل حتى يكاد يتوقّف عن العمل، وهي لا تعدو أن تكون قشرة خارجية، تخشى أن تقترب من العمق، و تسبر الأغوار. سداها طمأنينة زائفة، ولحمتها غسل اليد من الإثم، والنأي بالنفس عن أية مسؤولية، حتى لو كانت مسؤولية الكلمة الصادقة، وما أثمنها! وهي مؤلمة بلا شك. وأولى هاتين الشهادتين ما كتبه طايل الضامن في مقاله الذي جاء تحت عنوان: (في اليوم العالمي للغة العربية: جيل أردني لا يتقنها)(1). يقول: (... في عام2013، دقّ وزير التربية والتعليم...ناقوس الخطر، بإعلانه أنّ هناك أكثر من مئة ألف طالب في الصفوف الثلاثة الأولى في مدارسنا لا يعرفون القراءة والكتابة... واليوم يقول مدير عام دائرة المكتبة الوطنية... أصبحنا نشعر بضعف منشئ الرسالة لدى بعض العاملين في بعض الدوائر الحكومية، في صياغة الكتب الرسمية بلغة عربية سليمة...ونقول نحن –كما نسمع ونرى- أنّ الكثير من أبنائنا من خريجي الجامعات يعانون من ضعف اللغة العربية، ولا يفرقون بين التاء المربوطة، والمفتوحة، والهاء، وغير ذلك، بل أنّ هناك الكثير ممّن يبدأ اسمهم بحرف (الدال)(2)، يفتقرون

 


(1)صحيفة (الرأي) الأردنية، بتاريخ 19/12/2016.

(2)يقصد أنهّم حاصلون على درجة الدكتوراه.

إلى المعرفة المكتملة بالإملاء، رغم أنهّم خريجو جامعات عربية)، ويستأنف ليوازن: (...قديما، ونحن في الصفوف الابتدائية الأساسية، كانت المدرسة تهتّم بلغتنا بشكل رائع، حيث كانت كتبنا ثرية بالنصوص الأدبية، والآيات القرآنية التي تبرز جمالية اللغة العربية، وكنّا نجبر على نسخ درس اللغة العربية من أربع إلى ست مرات في اليوم، للتدريب على الخطّ، والإملاء، وغيرها من الفنون اللغوية الأخرى التي كانت تفرد لها كتب مستقلّة، وما كنّا نصل إلى مرحلة الثانوية حتى نكون قد نضجنا لغويا في الإعراب، والإملاء، والخطّ). هل يحتاج هذا النصّان إلى تعليق؟ إنهمّا مفصحان –بلا أدنى شك- عن زمنين. واحد مضى، وآخر حاضر، في طياته مستقبل لا أفق له، وبين تينك الزمنين تتأرجح العربية، لتأخذ طريقها إلى الهبوط على ألسنة أهلها، وكتابتهم، وإلى التراخي في خدمتها، والتكاسل عن تقديم العون لها، والنتائج معروفة، غير محتاجة إلى تفصيل.

  وتتمّثل الشهادة الثانية في جواب الشاعر الإماراتي الشاب طلال سالم الذي سئل عن سبب ابتعاده عن دراسة اللغة العربية في قسم مختّص بها، مع حبّه، وتقديره لها، فما كان منه إلاّ أن يقول بصدق: (...لا أؤمن أنّ معيشتي الحياتية كإنسان، ستكون أفضل في دراسة اللغة العربية من الهندسة في هذا الوقت... ومن لا يصدّقني فليذهب إلى سلّم الرواتب، أو يعيد النظر في قوانين تفرّغ المبدعين في وزارات الثقافة، وتقدير الأدب في المجتمعات العربية ككّل. لو اخترت دراسة اللغة العربية، أظننّي سأعاني كثيرا في حياتي اليومية، وسأقتل نفسي في البحث عن تقدير خارجي لا يأتي إلاّ قليلا)(1). ألاّ يتحدّث صاحب النصّ بوضوح ما بعده وضوح عن (الوظيفة) التي حصل عليها بسبب تخصّصه في الهندسة، وهي –بلا شك- ذات مردود مادي أكثر بكثير من تخصّص اللغة العربية، فيما لو درسه، وحاول شقّ طريقه في الحياة، معتمدا عليه.

  لعلّ هاتين الشهادتين تلخصّان بموضوعية ما أفضنا القول فيه فيما سبق، وتدعمان ما ألححنا عليه في بداية البحث من أنّ الخيوط جميعها في قبضة (السياسة)، سواء بمعناها النظري، أم ممارساتها اليومية، وما دام المشتغلون بالعربية، المهمومون بحاضرها، ومستقبلها منشغلين بغير (السياسة)، والتأكيد على تأثيرها المباشر على واقع العربية في الوطن

 


(1)            تنظر صحيفة (القدس العربي)، بتاريخ 2/12/2016.

العربي(1)، ومستمرين في الترويج لهذه الحلول الوهمية التي تطفو على السطح، ولا تلامس القاع، كعقد الندوات، والحديث مع النفس، أو مع الشبيه، والتباكي على الأطلال. أقول: مادام الحال هو الحال الذي بسطناه بإيضاح، فإنّ العربية في خطر، بعد انقضاء ذلك الزمن الذي تفيّأنا ظلاله، ونعمنا بنسيمه، بعد هبوب رياح العولمة العاتية التي تقتلع ما يقف في طريقها، وليس بين أيدينا ما نتمّكن به من صدّ تلك الرياح، أو ترويضها. نعم، إنّ العربية التي نريد لها أن تحتّل مكانتها اللائقة في وطنها في خطر، بدأت معالمه تلوح، وعلاماته تظهر، وهي أكثر استفحالا، وشراسة، وانتشارا مما سبق.

 


(1)            يقول جورج أورويل: حين أسترجع ما كتبت يمكنني أن أرى أنه حيثما افتقرت للقصد السياسي كتبت كتبا بلا روح. ينظر مجلة (أفكار) الأردنية. العدد (334). تشرين الثاني (نوفمبر)، سنة 2016، ص4.

 

 

المصادر والمراجع

 

1-اعترافات أكاديمي متقاعد، د.عبدالخالق عبدالله. دار الفارابي، بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2014.

2-أمّ المشكلات. أهل العربية في واقعنا الحاضر.رصد وحلول. د.وليد محمود خالص، بيت الغشام للنشر والترجمة. مسقط. سلطنة عمان. الطبعة الأولى. سنة 2014.

3-إنقاذ اللغة. إنقاذ الهوية. تطوير اللغة العربية. د.أحمد درويش. نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 2006.

4-حديث السنين. سيرة ذاتية. د. ابراهيم السامرائي. دار عمّار. الأردن. دار البيارق. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 1998.

5-خاطرات مؤتلفات في اللغة والثقافة. د.كمال بشر. دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع. القاهرة. سنة 1995.

6-دليلك للغة هجينة. ندى الأزهري. مقال منشور في صحيفة (الحياة)، بتاريخ 23/12/2016.

7-سنن ابن ماجّة. حقّق نصوصه، ورقّم كتبه، وأبوابه، وأحاديثه، وعلّق عليه محمد فؤاد عبدالباقي. دار إحياء التراث العربي، بلا تاريخ.

8-السياسة اللغوية في االمغرب. نظرة في دستور 2011. الفيلالي عبدالكريم. مجلة (المستقبل العربي). مركز دراسات الوحدة العربية، العدد (406). كانون الأول. ديسمبر. سنة 2016.

9-السياسة وسلطة اللغة. د.عبدالسلام المسدي. الدار المصرية اللبنانية. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 2007.

10-صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2001.

 

11-صحيح مسلم بشرح الإمام النووي. الناشر مؤسسة مناهل العرفان، وتوزيع مكتبة الغزالي. بيروت. دمشق. بلا تاريخ.

12-العرب والانتحار اللغوي، د.عبد السلام المسدي. دار الكتاب الجديد المتحدة. بيروت. الطبعة الأولى. سنة 2011.

13-العربية والتمدن، في اشتباه العلاقات بين النهضة والمثاقفة والحداثة. شربل داغر. دار النهار. منشورات جامعة البلمند. الطبعة الأولى. سنة 2008.

14-في اليوم العالمي للغة العربية. جيل أردني لا يتقنها. طايل الضامن. مقال منشور في صحيفة (الرأي) الأردنية، بتاريخ 19/12/2016.

15-قصة حياته بقلمه. ذكريات الطفولة. ذو النون أيوب. فينا. سنة 1980.

16-كتابة السيرة النبوية لدى العرب المحدثين. اتجاهاتها ووظائفها. حسن بزاينية. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب.بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2014.

17-محنة اللغة العربية. د. ابراهيم علي أبو الخشب. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة بلا تاريخ.

18-نحو لغة عربية سليمة. مجموعة من المؤلفين. دار الحرية للطباعة. وزارة الثقافة والفنون. بغداد. سنة 1978.

19-هجرة الشوام. الهجرة اللبنانية إلى مصر. مسعود ضاهر. دار الشروق. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 2009.