(المجمع اللغوي في القاهرة ودوره في تعريب المصطلحات الحديثة) للأستاذ الدكتور محمد رمضان البع.


المجمع اللغوي في القاهرة ودوره في تعريب المصطلحات الحديثة

 

د. محمد رمضان البع

 

                                       ملخص الورقة:

تسعى هذه الورقة إلى بيان دور المجمع اللغوي في القاهرة في تعريب المصطلحات الأدبية والعملية ومواكبته للوسائل التكنولوجية الحديثة ، وذلك من خلال تسليط الضوء على التعريب وأهميته وقواعد نقل المصطلحات وشروطها ، ومن ثم التعريف بمجمع اللغة القاهري وأهدافه وجهوده في معاجم المصطلحات الحديثة المعربة وموقفه من التعريب ، ووسائله التي يستخدمها من أجل تعريب المصطلحات، ومن ثم الكشف عن  نماذج من المصطلحات العلمية المعربة في الفترة السابقة ، وهل هذه الجهود تتماشى مع دور المجمع وأهمية اللغة العربية ، وقدرتها على مواكبة  الوسائل التكنولوجية الحديثة والمتلاحقة؟ وهل المصطلحات اللغوية المعربة تُلاقي رواجاً عند ظهور المصطلح اللغوي العربي الذي يصدر عن المجمع؟ , أم أن المصطلح الأجنبي هو المنتصر ، ومن ثم عرض للنتائج والتوصيات وذيلت الورقة بفهرس للمصادر والمراجع .

Complex language in Cairo and its role in modern terms Arabization

D . Mohamed Ramadan Bo '

Summary of the paper

This paper seeks to indicate the role of the complex language in Cairo in the Arabization of literary terms , process and coping with the means of modern technology , through highlighting the localization and its importance and the rules of the transfer of the terms and conditions , and then definition Language Academy Cairene and objectives and efforts in dictionaries modern terms Arabized and position of localization , and methods used in order to localize the terms , and then detect the models of scientific terms localized in the previous period , and whether these efforts are in line with the role of the complex and the importance of the Arabic language , and their ability to keep up with modern technology and the rapid ? Does linguistic terms Arabized when you see the convergence of popular Arab- language term that comes from the compound ? , Or that the term foreign is the victor , and then display the results and recommendations of the paper and appended a catalog of sources and references.

 


المقدمة:

تحتل الدراسات اللغوية مكانة متميزة في الوقت الحاضر، في مؤسسات البحث العلمي في الأمم المتقدمة، فهي دعامة أساسية في توثيق الصلات وتوطيد دعائم التفاهم بين الأفراد والجماعات في مجال تكوين الأمة.

          لقد شهد العالم تطوراً تكنولوجياً وثورة معلوماتية ، كان لها دور كبير في إحداث تغيرات كبيرة على صعيد المعرفة والحياة الاجتماعية لبني الإنسان ، ولا سيما ذلك التطور الذي أصاب تقنيات الاتصال اللغوي.

          فتلاقت الثقافات والتحمت الأفكار وتشابكت المجتمعات ، عبر تقنيات الاتصال والتواصل المبثوثة في كل موقع والمتناثرة في كل مكان، وصاحب هذا التطور ظهور ألفاظ ومصطلحات وتراكيب مستجدة على ساحة اللغة العربية .

          فاللغة العربية تتميز بعناصر أساسية في بنيتها الصرفية والنحوية، تجعلها مطواعة قادرة على استيعاب ما يجد من المعرفة الإنسانية، وهى في ذلك شأنها شأن اللغات الأخرى تتمايز فيما بينها لما لها من جذور تاريخية وتجارب خصبة في المشاركة في بناء الحضارة واستيعاب حصيلة المعرفة الإنسانية.

          وعندما تجددت النهضة العربية، وبدأت تنتشر إشعاعاتها الأولى على وادي النيل، وفي ربوع بلاد الشام، وأرض الرافدين، وعادت اللغة العربية إلى تماسها مع لغات الحضارات العالمية المتقدمة، ونخص منها الانجليزية والفرنسية والألمانية، بدأت تظهر مؤسسات مجمعية تأخذ على عاتقها مهمات صعبة في نشر العلوم والفنون من خلال هذه اللغة، بتنميتها وبعث الحياة فيها لكي تستوعب من جديد حصيلة الفكر الإنساني ، ولكي تصبح لغة العلم والبحث العلمي والتقنيات الحديثة، ولغة جميع الفعاليات الحضارية، كما كانت في عهودها الزاهرة .

فجاء مجمع اللغة العربية في القاهرة من المؤسسات اللغوية التي تركت أثراً عظيماً  في اللغة العربية وأبلت بلاءً حسناً في خدمة اللغة العربية والعمل على تنميتها وتطويرها، فمن هنا جاءت ورقة العمل هذه لتدرس المجمع اللغوي في القاهرة ودوره في تعريب المصطلحات الحديثة ، وقد تطرقت في هذه الورقة إلى مفهوم التعريب وأهميته وقواعد نقل المصطلحات وشروطها ، ومن ثم الحديث عن مجمع اللغة القاهري وأهدافه وجهوده في معاجم المصطلحات الحديثة المعربة ، ومن ثم بيان موقف مجمع اللغة القاهري من التعريب ، وتوضيح الوسائل التي استخدمها مجمع اللغة القاهري في تعريب المصطلحات الحديثة ، ومن ثم بيان متي يتم تعريب المصطلح الحديث في مجمع اللغة القاهري ، وبعد ذلك عرض لأهم نتائج الورقة وتوصياتها وقائمة للمصادر والمراجع .

          فكم نحن بحاجة إلى تضافر جهود المجامع اللغوية والباحثين من أجل معالجة المصطلحات الحديثة المعربة التي تشهدها ساحتنا التعليمية في ظل المتغيرات الحديثة المعاصرة ، التي غمرتها العلوم الحديثة بسيل عرم من المصطلحات العلوم الحديثة، فوجب على اللغويين والمجمعيين في سائر البلدان العربية أن يعملوا على توحيد جهودهم المبذولة من أجل وحدة المصطلح الحديث المعرب ، وهذا من شأنه أن يعمل على تنمية اللغة العربية وتطويرها، ويجعلها تنهض من كبوتها المعاصرة ، فأسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل، والله الهادي إلى سواء السبيل.

 

 

 

- مفهوم التعريب .

يطلق القدامى على ضربٍ من الألفاظ الّتي دخلت في العربيّة من غيرها من اللّغات مصطلحاتٍ؛ وهي: (المُعَرَّب) و (الدّخيل) و (الأعجميّ) وكثيرون منهم لا يكادون يفرّقون بينها؛ فالمُعرّب عندهم "ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغاتها" ([1]).

وقد صرّح السّيوطيّ بأنّ الدّخيل يرادف المُعَرَّب؛ فقال: "ويطلق على المعرّب: دخيلٌ، وكثيرٌ ما يقع ذلك في كتاب العين والجمهرة وغيرهما" ([2]). وكذلك الأعجميّ عندهم بهذا المعنى.

وقد جمع ابن منظورٍ المصطلحات الثّلاثة في نصٍّ واحدٍ إذ قال: "البُخْتُ والبُخْتِيَّة: دخيلٌ في العربيّة، أعجميّ، معرّبٌ" ([3]).

واستمرّ عدم التّفريق بينها عند بعض المتأخّرين؛ كجرجي زيدان([4])ومحمّد المبارك([5])وصُبْحِي الصّالح([6]).

وفرّق كثيرٌ من المتأخّرين المعاصرين بين مصطلحيْ: المعرّب والدّخيل؛ وأهملوا مصطلح الأعجميّ؛ الّذي لا يرد لديهم - في الغالب - إلاّ عفواً أو في ترديد أقوال القدامى. غير أنّهم اختلفوا في مفهومهما؛ فالمعرّب عند أكثرهم - وكما يراه مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة - هو: "اللّفظ الأجنبيّ الّذي غيّره العرب بالنّقص أو الزّيادة أو القلب" ([7]).

- أهمية التعريب.

يعتبر التعريب من وسائل تنمية اللغة العربية، ففي عصرنا الحالي هناك الكثير من الألفاظ والمصطلحات التي تسمع بين الفينة والأخرى على ألسنة خواص الناس وعوامهم، وتكمن أهمية التعريب في النقاط التالية([8]):

  1. يساهم في إثراء اللغة العربية في ميادين المصطلحات والرموز والمعاجم المتخصصة.
  2. إثراء اللغة العربية بالكتب العلمية المؤلفة في اللغة العربية .
  3. تنمي روح الإبداع والتأليف لدى الطالب منذ تلقيه العلم.
  4. الخوض في ألفاظ ترد إلى لغات أجنبية مردها اللغة العربية ، وهذا يسهم في إثراء الدراسات اللغوية.

- قواعد نقل المصطلحات الحديثة للغة العربية .

ولقد لخص الأمير العلامة مصطفى الشهابي القواعد التي اتبعها النقلة في وضع المصطلحات في تلك الأيام، فرآها لا تخرج عن هذه الوسائل الأربع:

أ- تحوير المعنى اللغوي القديم للكلمة العربية، وتضمينها المعنى العلمي الجديد.

ب- اشتقاق كلمات جديدة من أصول عربية أو معربة للدلالة على المعنى الجديد.

جـ- ترجمة كلمات أعجمية بمعانيها.

د- تعريب كلمات أعجمية بمعانيها.

وخلص الأمير إلى القول بأن هؤلاء النقلة لم يجمدوا في أداء مهمتهم، وأن قواعدهم هي التي ينبغي لنا إتباعها في وضع المصطلحات الحديثة([9]).

واختيار البدء بالترجمة مشروط بشرطين متلازمين :

أولهما الفهم التام الدقيق لمفهوم المصطلح الأجنبي.

ثانيهما: أن يكون المصطلح العربي المقابل مناسبا نطقا وصياغة، خاليا من الشذوذ والإغراب في أصواته وبنائه، أي: أن تكون صورته النطقية مقبولة مستساغة وشكله الصرفي مأنوسا، بحيث يسهل استخدامه بطريقة تعمل على استقراره وانتشاره في الوسط العلمي المعين. فإذا كان المصطلح العربي المناسب موجودا بالفعل فبها ونعمت، وإلا لجأنا إلى ابتكاره بطريق التوليد.

والتوليد له جانبان: توليد في الصيغة وتوليد في الدلالة.

والتوليد في الصيغة قد يكون بالوضع أو النحت. ونعني بالوضع ابتكار كلمة جديدة من أصل عربي، بطريق الاشتقاق أو القياس وما إلى ذلك من ضروب التوليد اللفظي. فإن لم يسعفنا الحال لجأنا إلى النحت، وهو منهج مأخوذ به في اللغة العربية منذ أقدم عصورها.

أما التوليد في الدلالة، فنعني به توظيف كلمات قديمة في معنى جديد، بالتوسيع في دلالاتها على ضرب من المجاز، أو تعدد الدلالات. فالتوليد إذن يعني اختراع كلمة جديدة، أو توظيف كلمة قديمة في معنى جديد([10]).

- شروط نقل المصطلح العلمي:

يمكن بيان شروط نقل المصطلح العلمي، في النقاط الآتية([11]):

أ - لابد من وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد، ولكن لا يشترط أن تكون هذه العلاقة قد وصلت إلى حد المطابقة، بل يكتفى بأدنى علاقة.

ب - لا بد أن يراعي في وضع المصطلح الاهتمام بالمعنى قبل اللفظ.

ج - يستحسن ألا يختار المصطلح من بين الألفاظ ذات الدلالات الأصلية الشائعة المعروفة، لان نقل الذهن عنها إلى غيرها من الصعوبة بمكان.

ستحسن ألا يصطلح بلفظ واحد لتأدية معان علمية مختلفة، ولكن يلاحظ ان الفقهاء المسلمين لم يتقيدوا بهذا الشرط كثيرا "، إذ نراهم - كما سيأتي معنا في هذا المعجم - قد يطلقون لفظا " واحدا " على معاني اصطلاحية متعددة.

هـ - يستحسن ألا يصطلح بألفاظ مختلفة للمعنى العلمي الواحد، وهذا أيضا لا يتقيد به الفقهاء المسلمون كثيرا "، بل هم أكثر تحللا منه عندما تخرج عن دائرة المذهب الفقهي الواحد إلى دائرة المذاهب المتعددة، فشركة المضاربة يطلق عليها بعض المذاهب لفظ " مضاربة " بينما يطلق عليها بعض المذاهب الأخرى " قراضا ".

ويفضل اللفظ - المصطلح - العربي على غيره ما أمكن إليه سبيلا.

ز - يستحسن تجنب الألفاظ التي ينفر الطبع منها إما لثقلها على اللسان أو لفحش دلالتها.

ح - يستحسن تجنب النحت ما أمكن - وإذا ما تم نقل اللفظ - أعني المصطلح - من المعنى الأصلي إلى المعنى الاصطلاحي، فان ذلك لا يعني فقدان دلالته على المعنى الأصلي، بل يصبح اللفظ ذا دلالتين الأولى أصلية لغوية، والثانية اصطلاحية.

- مجمع اللغة القاهري وأهدافه وجهوده في معاجم المصطلحات المعربة.

بادئ ذي بدء لا بد من أن نشير إلى أن المجمع في اللغة ، اشتق له اسم ودلالة من مادة الجذر اللغوي (جمع) ، فالْمَجْمَعُ مَوضِعُ الِاجْتِمَاع والمجْتَمعون والمُلْتَقى وَمِنْه مجمَعُ الْبَحْرين ومُؤَسَّسَةٌ للنُّهوض باللغة أَو الْعُلُوم أَو الْفُنُون وَنَحْوهَا (ج) مجامعُ (محدثة)([12]).

أما على صعيد الاصطلاح فهو مؤسسة علمية ثقافية يجتمع فيها جماعة من العلماء للنظر في ترقية الفنون أو العلوم أو الآداب([13]) ، وتهدف إلى الحفاظ على اللغة وسلامة بنائها وتراكيبها وقواعدها من الدخيل وتأثيرات اللغة الوافدة بشتى أسبابها ([14]) ، وذلك وفق خطوات علمية منظمة ومدروسة مسبقاً.

لقد أنشأ مجمع اللغة العربية في القاهرة بمرسوم صدر بقصر عابدين (مقر إقامة فؤاد الأول) يوم 14من شعبان سنة 1351ه الموافق 13 من الكانون(ديسمبر) 1932م ، وسمي مجمع اللغة العربية الملكي، واتخذ مدينة القاهرة مركزاً له؛ غير أنه لم يستقر في مكان واحد .

- أغراض مجمع اللغة العربية في القاهرة وجهوده المعجمية في التعريب  .

حدد مجمع اللغة في القاهرة أغراضه في مرسوم إنشائه، وهى كما يلي([15]):

1.     أن يحافظ على سلامة اللغة العربية، ويجعلها تستوعب المصطلحات العلمية، قادرة على التكيف مع التقدم الحضاري وحاجات العصر.

2.     ان يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثاً دقيقة في تاريخ بعض الكلمات، وتعبير مدلولاتها.

3.     أن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية.

4.      أن يبحث عن كل ما له شأن في تقدم اللغة العربية.

إن مجمع اللغة العربية بالقاهرة فقد نص في مرسومه على أن من أهم أغراضه "أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية" وقد أخذ نفسه بذلك منذ البداية وكون في دروته الأولى "لجنة المعجم" من كبار اللغوين العرب والمستعربين. كذلك جاء في قانون إنشاء مجمع العربية "افتتح عام 1934" أن من أهدافه وضع معجمات ثلاثة.

1- معجم وجيز يقتصر على الألفاظ الكثيرة الدوران بمقدار ما يناسب الدراسات الأولى.

2- معجم وسيط يتوسع فيه، مع الاقتصار على الألفاظ المستعملة في فصيح الكلام تأليفًا وإنشاء بمقدار ما يناسب الدراسات الوسطى.

3- معجم بسيط يكون ديوانًا عامًّا للغة، جامعًا شواردها وغريبها، مبينًا أطوار كلماتها وما طرأ على بعضها من توسع في الاستعمال، أو تغير في المعنى في عصور اللغة المختلفة.

كذلك جاء في هذا القانون أن من أهدافه وضع معجمات صغيرة لمصطلحات العلوم والفنون وغيرها.

ولم ينفذ المجمع بعد كل مشروعاته وإنما نفذ منها ما يأتي:

1- المعجم الوسيط: وقد طبع ثلاث طبعات حتى الآن ظهرت أولاها عام 1961 في جزأين كبيرين يحتويان على نحو 1100 صفحة من ثلاثة أعمدة ومن القطع الكبير، ويشتمل على نحو 30 ألف مادة، ومليون كلمة وستمائة صورة. وظهرت طبعته الأخيرة عام 1985.

وقد كان الغرض من تأليفه تدارك أخطاء السابقين في تأليفهم، وقصورهم في الشرح والترتيب. فقد كان مما يعيب المعاجم القديمة -على غزارة مادتها وتنوع أساليبها- أنها لم تعد تواجه العصر ولا مقتضياته، لأن في شروحها غموضًا، وفي بعض تعاريفها خطأ، وفي تبويبها لبسًا.

وقد وقف أصحاب المعاجم إلى جانب ذلك عند حدود زمنية ضيقة ففقدت معاجمهم كثيرًا من معالم الحياة والتطور. كذلك من شروط المعجم الحديث أن يكون سهل المأخذ واضحًا دقيقًا مصورًا ما أمكن، محكم التبويب، وهذا ما حاول المجمع تطبيقه بالفعل. كما يمتاز باشتماله على مصطلحات العلوم والفنون، وضمه كثيرًا من ألفاظ الحياة العامة، واحتوائه على عديد من الألفاظ المولدة والمعربة حديثًا. كما راعى المعجم قرارات المجمع المختلفة في دوراته مثل قياسية صوغ المصدر الصناعي، وقياسية تعدية الفعل الثلاثي بالهمزة، وقياسية صوغ مطاوع فعل على تفعل وهكذا .

وفي سبيل الترتيب الداخلي روعي في ترتيب الكلمات تقديم الأفعال على الأسماء. والمجرد على المزيد، والمعنى الحسي على العقلي، والحقيقي على المجازي، والفعل اللازم على المتعدي ... وهكذا.

وقد اكتشف المجمع بعض هنات في معجمه تداركها في طبعتيه الثانية والثالثة.

2- المعجم الكبير: ظهر منه جزءان فقط، يشمل الأول منهما قسمًا من حرف الهمزة. وقد ظهر لأول مرة عام 1956. وهو يسير على الترتيب الهجائي العادي بعد تجريد الكلمة من الزوائد. ويدل على الحجم الذي ينتظر أن يظهر فيه المعجم ذلك الجزء الذي يقع في نحو 428 صفحة "عدا الفهارس التي تقع في 90 صفحة والمقدمة التي تقع في 8 صفحات"، ولم يصل إلا إلى مادة "أخي" من حرف الهمزة.

وقد التزم المعجم ما يأتي:

1- تصدير كل مادة بمعانيها الرئيسية إجمالًا ثم يتناول كلًّا منها تفصيلًا.

2- ذكر أصل المادة أو أصولها في الساميات إن وجد ذلك.

3 رد الكلمات المأخوذة من لغات أجنبية إلى أصولها.

4- ترتيب المادة بحسب المعاني الكبرى، مع التدرج من المدلولات المادية إلى المعنوية.

5- الاستشهاد بالشعر والنثر مع اختلاف العصور، ومع الترتيب الزمني بقدر الإمكان.

6- ذكر ما لا بد من ذكره من الأعلام والتعريف بها في إيجاز، وكذلك أسماء الأمكنة.

7- الإشارة إلى المرجع حين يكون ذلك مفيدًا.

8- العناية بالضبط بالشكل([16]).

وقد أعيد طبع الجزء الأول مؤخرًا ونشرته دار المعارف بالقاهرة مع بعض تعديلات، ومحاولة لتدارك أخطاء الطبعة الأولى.

3- معجم ألفاظ القرآن الكريم: وقد بدأ المجمع في إخراجه تباعًا منذ عام 1953 حيث أصدر الجزء الأول منه ثم في سنة 1959 ظهر الجزء الثاني، وفي سنة 1961 ظهر الجزء الثالث ووصل إلى آخر حرف السين وقد انتهى طبع المعجم عام 1970، وأعادت دار الشروق طبعه في مجلد واحد. ويعد المجمع الآن لطبعة جديدة، وألف لجنة لتعيد النظر في تنسيق المعجم واستدراك ما فات في الطبعات الأولى.

وهو مرتب على الترتيب الهجائي العادي ويشرح ألفاظ القرآن شرحًا لغويًّا مع بيان المزيد والمجرد والمصدر والمشتقات، وإذا كان للفظ معان مختلفة قدمت الحسية على المعنوية، ورتبت الأخيرة بحسب أهميتها وكثرة ورودها في القرآن.

4- مصطلحات العلوم والفنون: يقف المجمع نحو 70% من نشاطه في جمع المصطلحات ومناقشتها وإقرارها. وقد أخرج قديمًا كراسات في مصطلحات بعض العلوم ومنذ سنة 1942 وهو يوالي إخراج مجموعات كبيرة كل عام تضم مصطلحاته التي يقرها المؤتمر السنوي وهي في حدود الألفين تقريبًا، وقد ظهرت مجموعات كبيرة من هذه المصطلحات تضم كل مجموعة مصطلحات علم أو فن معين، كما يحرص المجمع على نشرها في مجلته الدورية.

5- المعجم الوجيز: وقد صدرت طبعته الأولى عام 1980، وهو معجم مدرسي كتب بروح العصر ولغته ويتلاءم مع مراحل التعليم العام. وأضيف فيه إلى المادة اللغوية التقليدية ما دعت إليه الضرورة من الألفاظ المولدة أو المستحدثة أو المعربة أو الدخيلة، كما أورد طائفة من المصطلحات الشائعة التي يستعملها التلاميذ.

وقد رتب المعجم على حسب أصول الكلمات. ورتبت الأصول على حسب أوائلها. واختارت لجنة الوجيز من مادة الوسيط ما رأت فيه الوفاء بحاجة الطالب. وجاء مجموع ما حواه زهاء خمسة آلاف مادة، صور منها ما يحتاج توضيحه إلى تصوير من نحو نبات أو حيوان أو آلة، فاشتمل على أكثر من 600 صورة([17]).

ومن معاجم المصطلحات التي اشتملت على مصطلحات حقول دلالية بعينها، ما يلي:

معجم الجيولوجيا، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - ط/2 - 1982م.

معجم الهيدرولوجيا، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1984م.

معجم الفيزياء الحديثة، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1986م.

معجم الحاسبات، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1987م.

معجم البيولوجيا في علوم الأحياء والزراعة، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1988م.

معجم الرياضيات، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1990م.

معجم الكيمياء والصيدلة، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1994م.

معجم القانون، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1999م.

معجم المصطلحات الطبية، مجمع اللغة العربية بالقاهرة- 1990م.

معجم النفط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1993م.

معجم مصطلحات الهندسة الميكانيكية، مجمع اللغة العربية بالقاهرة - ط/1 - 1998م.

معجم الموسيقا، مجمع اللغة العربية بالقاهرة- 2000م.

- موقف مجمع اللغة القاهري من التعريب .

إن وضع المصطلحات العلمية من صميم عمل المجامع. وأعضاء المجمع ليسوا لغويين فحسب، وإنما منهم من اختص أيضًا بعلوم غير علوم اللغة فعند اتصال بعضهم بالبعض الآخر ثمرة طيبة تعين على وضع مصطلحات علمية موقعة في مختلف نواحي العلوم والفنون([18]).

"يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم"، ولقد رأى المجمع أن للتعريب في عصرنا الحديث فوائد تتلخص في غني اللغة بذخيرة من الكلمات التي تعبر عن كل ظلال المعاني الإنسانية ، كما أنه يمدنا بفيض من المصطلحات العلمية الحديثة التي لا نستغني عنها في نهضتنا العلمية ، فلذلك سمح بالتعريب ولكنه قيده بالضرورة خشية أن تغمر لغتنا العربية بطوفان من الألفاظ الأجنبية قد تفقدها طابعها وخصائصها  التي يعتز بها أبناء العرب ، وحرصاً على تراثهم الأدبي وكتابهم المقدس الذي أنزل بلسان عربي مبين  ، ويضيف الدكتور إبراهيم أنيس معلقاً على رأي المجمع في التعريب؛ بقوله([19]) : " لهذا وقف المجمع موقفاً حكيماً في قراره الآنف الذكر " .

في حين آخر علق الأمير الشهابي على قيد "الضرورة" بقوله([20]): "أرى أن قيد "الضرورة" الذي وضعه المجمع للتعريب هو ضرورة، أقول هذا لأنني عارف بسخافات بعض أساتيذ العلوم الحديثة، الذين عربوا ألفاظًا علمية أعجمية، كان في استطاعتهم أن يجدوا لها ألفاظًا عربية مقبولة بقليل من الجهد، ومن المعرفة بأصول تلك الألفاظ الأعجمية وبمعانيها"  .

- وسائل تعريب المصطلحات الحديثة في مجمع اللغة القاهري.

تنطلق مجامع اللغة العربية في عنايتها باللغة وحرصها على نقائها وإثرائها بما يضمن لها النماء والحيوية ومسايرة مستجدات العصر من نظرتين متوازيتين: إحداهما: الحفاظ على التراث اللغوي للعربية، وتقريب بعيدة، وتيسير غريبة، وإحياء مماتة. ثانيهما: الاقتراض والترجمة. ولهذه المجامع نشاط ملحوظ في إحياء الممات يتلخص في التشجيع على الاستفادة من ممات العربية فيما استجدّ من المعاني والمصطلحات، وإحياء ما يلائم روح العصر منه، والحدّ من تسرّب الدخيل المعاصر إلى اللغة، ليكون الممات أحد الوسائل النافعة التي تمدّ العربية بكلمات جديدة تدعو إليها الحاجة ومقتضيات العصر([21]).

توسع مجمل اللغة القاهري كثيراً في وضع منهجية له في التعريب، وذلك في عدة مناسبات ونشر ذلك في مجلته التي اعتبرت تجربة ثمينة لتاريخ اللغة العربية ، في موضوع ترسيخ الجذور الثقافية لحضارة أخلاقية صرف وتقليدية، ووصلها بأشكال الحضارة التقنية المتحركة إلى الخلق والانتشار المستمرة، أما طريقته في وضع المصطلحات فهو يبدأ بالتنقيب عنها في كتب اللغة والعلم القديمة، فإذا وجدنا اعتمدنا، وإذا لم يجدها، لجأ إلى الاشتقاق أو المجاز أو النسب أو التصغير، أو نحو ذلك من القوانين اللغوية، حتى تكون ثروة مستمدة من أصولها ومواردها ، فنستغني بها عن سواها، ويجيز المجمع استعمال الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب([22]).  

لقد دأب مجمع اللغة القاهري إلى البحث عن مقابلات في اللغة العربية للمسميات الحديثة، وفق منهج يكاد يكون متكاملاً مع بقية المجامع اللغوية ، تحدد وسائل هذا المنهج الطرق التي تجيزها العربية من ترجمة أو اشتقاقاً أو مجازاً أو تضميناً أو نحتاً أو تركيباً، فإذا لم يتيسر ذلك بعد البحث يستعار اللفظ الأعجمي بعد صقله ووضعه على مناهج العربية([23])، ويمكن بيان وسائل مجمع اللغة القاهري في تعريب المصطلحات الحديثة في النقاط التالية:

1.     الترجمة، فترجمة المصطلح يسيرة سهلة إذا وجد المقابل ، وهيهات أن يوجد لأن شروط الفصاحة الزمانية والمكانية حرمت المعجم العربي من احتواء المصطلحات، فمصطلح " الجبر" الذي نصت عليه اللغات الأخرى بلفظه العربي لا يحتويه معجمنا بدلالته الاصطلاحية، فلا يحتاج واضع المصطلح إلى أكثر من استدعاء هذا المقابل بصيغته المناسبة، نحو(ذرة) مقابل (atome) و(قدرة) مقابل(power) لكن الأمر يختلف حينما لا يكون ثبت هذا المقابل حاضراً في معجم اللغة أصلاً، مما يملي على الباحث اشتقاق هذا الثبت من صميم المواضعة اللغوية القائمة بإتباع إحدى وسائل العربية في إغناء ذانها من اشتقاق ومجاز(نقل المعنى) ونحت، مما تبناه المعجميون وأقروا القياس عليه، لوضع هذا المقابل.

وقد وضح عبد الصبور شاهين الفرق بين الترجمة والتعريب من خلال مثالين، يقول([24]):" فإذا نحن استخدمنا مصطلح مكنز مقابل thesaurus  فهذه ترجمة، ولكن إذا استعملنا " الأرشفة" في مقابل Archivage فهذا تعريب ، (الأرشفة) على وزن(فَعللة) مصدر لفعل رباعي (أرشف: فَعْلل) ، توافرت فيه الصيغة العربية، وجاءت حروفه مؤتلفة صوتياً، فاكتسب بذلك حق المواطنة في اللغة العربية، فهو كــ(بعثر) ، و(دحرج) له ما للفعل الرباعي من خصائص صرفية، ومثله(تلفز) و(أكسح) و(هدرج) و(كبرت) .

2.     الاشتقاق، اشتق المجمعيون من ألفاظ اللغة القائمة ألفاظاً للدلالة على الأشياء المستخدمة، فقياساً على الآلة مثلاً ، قالوا: " المِحْصَد والمِبْذر، والمِذْياع والمِمْواج والمِنْظار، فهي أسماء مستحدثة بدلالاتها ، قديمة من حيث مواردها، وقد أقر المجمع هذا القياس " يصاغ قياساً من الفعل الثلاثي على وزن مشفْعَل ومِفْعَلة ومِفْعَال للدلالة على الآلة التي يعالج بها الشيء([25]).

وحملاً على الصفة المشبهة وزن(فعول)قالوا (خثور) أي قابل للتخثر مقابل (coagulable) و(لهوب) أي قابل للالتهاب مقابل (Infammable) و(حلول) مقابل (Dialysale) ([26]).

وصاغوا نحو مصدر (غِراسة) من (غرس) و( رسامة) من (رسم) وكلتاهما مهنة، وذلك بناء على قرار المجمع : يصاغ للدلالة على الحرفة أو شبهها من أي باب من أبواب الثلاثي مصدر على وزن فعالة بالكسر" ([27]).

وقياساً على اشتقاق العرب من أسماء الأعيان إذ قالوا(استحجر) من (الحجر) ، و(استنسر) من ( النسر) و(أبحر) من (البحر) و(ذهب) من (الذهب) اشتقوا حديثاً (السرطنة) من (السرطان) ، و(الغوللة) من (الغول) والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم" ، ثم ألغوا شرط الضرورة فيما بعد .

ويُصاغ فعَّال قياساً للدلالة على الاحتراف أو ملازمة الشيء، فإذا خيف لبس بين صانع الشيء وملازمه كانت صيغة فعَّال للصانع، وكان النسب بالياء لغيره ، فيقال(زجاج) لصانع الزجاج و(زجّاجي) لبائعه.

فالجديد في عمل مجمع اللغة القاهري هو مد القياس ، وفتح أبوابه الموصدة على أوزان لم يقل بالقياس فيه من قبل. وفي سياق الاشتقاق يقترح بعضهم صيغة فِعالة اسماً لبعض العلوم الحديثة، نحو:

كهافة : علم الكهف Sreleology   - ونسابة: علم الإنسان gemealogy – وضراسة: علم الأضراس odontology – وثِداوة: علم الأثداء: mastology – وشياخة: علم الشيخوخة gerontogy .

3.     المجاز، استخدم المجمعيون المجز لتعريب المصطلح الأعجمي إلى العربية، وذلك لما في المجاز من الاتساع، فيقول ابن جني([28]): " والاتساع فاش في جميع أجناس شجاعة العربية" .

ويتمثل في نقل المعنى وخلعه على المسمى الجديد اعتماداً على ما بين المعنيين من المشابهة أو على ما يمكن أن يلمح من المجاز المناسب بينهما، مع أمن اللبس، كقولنا: تخريج دفعة جديدة من الضباط فــ" الدفعة في الأصل من المطر والدم، وغيره أما حالياً فمفهوم الدفعة مرتبط بزمن معين وبمراسم وبتسمية أو شعار خاص"([29]) ، وهو ما كان يطلق عليه قديماً بالمولد وقد عرفه د. حسن الظاظا بقوله([30]): " المولد لفظ عربي البناء، أعطني في اللغة الحديثة معنى يختلف عما كان العرب يعرفونه، مثل : الجريدة السيارة والطيارة" ، وهذا الاستعمال المجازي للمفردة لا يلغي استخدامها بمعناها الأصلي، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد من استعماله.

وقد ساد المجاز حتى أن بعض المجازات الشرعية والحضارية والعلمية غدت حقائق لا يرجع الذهن إلى أصلها إلا بعد البحث والتأثيل، مثل: الزكاة والصلاة، فمن أجيالنا الحديثة يعرف البريد(post) مسافة بين منزلين من منازل الطريق، وأن الهاتف elephone، صوت يسمع دون أن يُرى صاحبه.

4.     النحت، من وسائل إغناء العربية  بالمصطلح للدلالة على المعاني المستحدثة، وقد أجاز المجمع عند الضرورة، وحدد شروط وضعه " يجوز أن ينحت من كلمتين أو أكثر اسم أو فعل عند الحاجة ، على أن يراعى ما أمكن استخدام الأصلي  من الحروف دون الزوائد، فإن كان المنحوت اسماً اشترط أن يكون على وزن عربي، والوصف منه بإضافة ياء النسب، وإن كان فعلاً كان على وزن فَعْلَل أو تَفَعلل، إلا إذا اقتضت الضرورة غير ذلك ، وذلك جرياً على ما ورد من الكلمات المنحوتة([31]).

وخلال القرن الماضي دخلت اللغة العلمية عشرات من هذه المنحوتات بشكل تركيب مزجي، لاقى بعضها قبولاً ورواجاً مثل الصفات برمائي كهرمغنطي وكهرضوئي وبتروكيميائي وعد بعضهم التركيب المزجي بالإلصاقات المنفصلة ضرباً من النحت؛ مثل: لا سلكي ولا شعوري، أو مثل فوق شمعي وفوق بنفسجي وفوق صوتي وفوق إشعاعي وأمثالها ، وثمة منحوتات تمزج ألفاظاً أعجمية وأخرى عربية؛ مثل: جمالوجيا esthetics وفكرلوجيا ideology .

وهناك منحوتات جاءت مبهمة لم تلق رواجاً فماتت في مهدها، مثل الأفعال حرصم في (حرر من الصمغ) وصلكل في (استأصل الكلية) و(شارسية) في (شارة سلبية) ، و(سمبصي) في (سمعي وبصري).

5.     الاقتراض ، فالاقتراض يعني إدخال اللفظ الأجنبي إلى العربية بصيغته ونطقه دون ما تغيير ، نحو: فيديو، فاكس، سينما، الانزيم، غاوكوز...إلخ، ويُعمد إلى الاقتراض عندما يستعصي المصطلح الأجنبي على الترجمة والتعريب .

 وفي هذه الحالة تجدر المحافظة على هوية الدخيل فلا نسقط عليه شيئاً من خصائص العربية الصوتية أو الصرفية، فتغيير الكلمة الأجنبية قد يخل بنظامها ومدلولها، فتغدو غريبة لا فصيحة ترد إلى أصل عربي، ولا أجنبية تحمل خصائص اللغة الأصلية، فمثلاً ثمة كثرة من المسميات الدخيلة تبدأ بالساكن مثل: غرافيت وكلور وبريتون ... فإضافة همزة الوصل أو تحريك الساكن نفسه، يعد تحريفاً لا مسوغ له، يبعد منطوق اللفظ عن مسماه.

ومما يدفع إلى إيثار التزام الترجمة والتعريب على الدخيل في نقل المصطلح إلى العربية، كونهما يتيحان المجال لاستمرارية خصائص العربية، فالمصطلح المترجم أو المعرب يُمنح خصائص العربية وليس الدخيل كذلك، فمن (الأرشفة)، مثلاً يمكن أن نشتق: أرشف، يؤرشف ، مؤرشِف، ومؤرشَف في حين لا يمكن إجراء هذا الاشتقاق من الدخيل (سينما ، فيديو، راديو...) .

ومهما يكن من أمر فإن الاقتصار على الترجمة والتعريب في نقل المصطلح أمر غير مستطاع لا في العربية ولا في غيرها، ويجب ألا تدفعنا غيرتنا على العربية إلى المبالغة والتكلف في ترجمة المصطلح، فلا لزوم إلى مصطلح عربي كالمصدئ للدلالة على الأكسجين، والمميه للدلالة على الهيدروجين والمخصب للنتروجين، والمومض للفسفور ، والمفحم للكربون، والكلاس للكالسيوم، والخضاب للكروم، مما يذهب إليه بعض المتشددين الذين لا يرضون بديلاً عن الترجمة، ويرفضون التعريب([32]).

- متى يتم تعريب المصطلح الحديث في مجمع اللغة القاهري؟

إن مواد العلم الحديث كثيرة ومن أجل ذلك لا بد أن تتهيأ مادة كبيرة من المصطلحات لتسد مسدها([33])، فالوطن العربي عاش فترة من التأخر العلمي والتقني والصناعي، واستعان ولا يزال بالتقنيات الغربية ، وأفاد تبعاً لذلك بما نقلته تلك الصناعات المتقنة من مختلف المصطلحات الدقيقة والموضوعة وضعاً علمياً، مكنها من الرسوخ العلمي الرسمي والشعبي ، حتى أنه لم يعد التمييز دائماً ممكناً في خصوص المصطلح العلمي الرائجة أصنافه، وما إذا كان قد لحق بالعديد غير القليل من المصطلحات الأخرى التي استحقت البقاء في أوساط المتخصصين([34]).

وفدت علينا في العصر الحديث كلمات مثل: "تليفون، وراديو، وتليفزيون، مع أجهزتها التي سميت بها؛ لأن المفردات التي تقتبسها لغة ما، عن غيرها من اللغات، يتصل معظمها بأمور قد اختص بها أهل هذه اللغات، أو بروزا فيها، أو امتازوا بإنتاجها أو كثرة استخدامها، فمعظم ما انتقل إلى العربية من المفردات الفارسية واليونانية، يتصل بنواح مادية أو فكرية، امتاز بها الفرس واليونان، وأخذها عنهم العرب. وهكذا نرى أنه من العبث إنكار وقوع المعرب في العربية الفصحى والقرآن الكريم.

وقد وقف اللغويون العرب بالتعريب، عند عصور الاحتجاج، وهي تلك الفترة السعيدة، التي تشمل الجاهلية وصدر الإسلام وعصر بني أمية، وتعد بجميع ما فيها عربية فصحى، وما عداها مما جاء بعدها مولد لا يصح، يستوي في هذا التطور والتعريب الجديد.

وتقوم من آن لآخر صيحات، تنادي بأن نسير على طريقة العرب، في تعريب ما نحتاج إليه من ألفاظ اللغات المعاصرة، ومن هؤلاء عبد القادر المغربي، الذي ألف في ذلك كتابا سماه: "الاشتقاق والتعريب". وتتلخص فكرته، في أن الكلمات الدخيلة الدالة على الأحداث والمعاني لا تعتبر فصيحة، ولا يكون استعمالها من الحسن في شيء، وذلك لأن في اللغة ما يسد مسدها. ولكن هناك اختراعات، أوجدها قوم من غير أبناء لغتنا، ووضعوا لها أسماء: اخترعوا: الأوتوموبيل مثلا، وسموه بهذا الاسم، فنحن معشر العرب نأخذه ونأخذ اسمه. كما أخذ أسلافنا المنجنيق واسمه من لغة اليونان.

وقد وقف مجمع اللغة العربية في مصر، من هذه القضية، موقف المتشدد؛ إذ لم يجز إلا تعريب الألفاظ الفنية والعلمية، التي يعجز عن إيجاد مقابل لها في العربية. ولقد لخص الدكتور علي عبد الواحد وافي، موقفه ذلك أحسن تلخيص، فقال([35]): أما ما استخدمه المولدون في مختلف العصور، وما أدخله بعض المحدثين في العصر الحاضر، أو يُرى إدخاله في اللغة العربية، من كلمات أجنبية تتعلق بالمخترعات، أو بالمصطلحات العلمية والفنية، فقد رأى مجمع اللغة العربية عدم جواز استعماله؛ لأن في العربية غنية عنه، ولأن في بطون معجماتها مئات الألوف من الكلمات المهجورة، الحسنة النغم والجرس، الكثيرة الاشتقاق، مما يصلح أن يوضع للمسميات الحديثة، بدون حدوث اشتراك؛ لأن بعضها من مراقد الإهمال والنسيان، يصيرها كأنها موضوعة وضعا جديدا.

وقد عُني المجمع بتطبيق قراره هذا، فوضع عددا كبيرا من الأسماء العربية لمسميات حديثة، جرت العادة باستخدام كلمات أجنبية في التعبير عنها. غير أنه قد احتاط للحالة التي قد تدعو فيها ضرورة قاهرة، إلى استخدام لفظ أعجمي في الشئون العلمية والفنية، ويتعذر إيجاد لفظ عربي يحل محله، فأجاز في هذه الحالة فقط، استخدام اللفظ الأعجمي، بعد صقله بالأساليب الصوتية العربية. وإليك نص قراره في هذا الموضوع: "يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة، على طريقة: العرب في تعريبهم".

ويقول الدكتور رمضان عبد التواب([36]): " وفي رأيي أن اللغة لا تفسد بالدخيل بل حياتها في هضم هذا الدخيل لأن مقدرة لغة ما، على تمثل الكلام الأجنبي، تعد مزيّة وخصيصة لها، إن هي صاغته على أوزانها وصبته في قوالبها، ونفخت فيه من روحها " .

والحق أن مشكلة تعريب ألفاظ العلم ومستحدثات الحضارة، هي مشكلتنا الحقيقية في العصر الحديث. ومجامعنا العلمية لم تستطع حتى الآن، معالجة هذه المشكلة معالجة حاسمة، فإنها تنتظر حتى يشيع اللفظ الأجنبي على كل لسان، وتستخدمه العامة والخاصة، وتنشره وسائل الأعلام المختلفة، ثم تسعى بعد فوات الأوان إلى محاربته، والبحث عن بديل له عند العرب القدماء، وبذلك يولد هذا اللفظ ميتا، لاشتهار اللفظ الأعجمي، وشيوعه على الألسنة. وكم من ألفاظ وضعتها المجامع اللغوية لمستحدثات الحضارة، غير أنها لم تتجاوز أبواب هذه المجامع، فمثلا: "المذياع" للراديو، و"المأوى" للوكاندة، و"الخيالة" للسينما و"الطارمة" للكشك، و"الملوحة" للسيمافور، و"المرناة" للتليفزيون، وغير ذلك من الألفاظ، ولدت ميتة لهذا السبب الذي ذكرته.

ولو أننا سمينا مستحدثات الحضارة بأسماء عربية، واصطلحنا على هذه التسمية أو تلك، عند أول ظهور هذا المستحدث الحضاري أو ذاك، وعملت وسائل الإعلام المختلفة عندنا، على ذيوعه وانتشاره، لارتبط في أذهان الناس بمسماه، وقضينا على هذه المشكلة من أساسها. وإنك لتعجب حين ترى الألمان يقومون في لغتهم بمثل ما ننادي به هنا، فمعظم المخترعات الأجنبية، لها عندهم أسماء ألمانية خالصة. وفي قدرتنا النسج على هذا المنوال للحفاظ على عروبة لغتنا، أمام هذا الغزو الهائل من الألفاظ الأجنبية، وفي ذلك حياة للغة، وتجديد لشبابها([37]).

نتائج الورقة وتوصياتها

لقد توصلت في هذه الورقة إلى جملة من النتائج والتوصيات، وهي كما يلي :

1.      بذل مجمع اللغة العربية في القاهرة جهوداً عظيمة في تعريب العلوم الحديث، ولم يألوا جهداً في رصد هذه المصطلحات وتوثيقها .

2.      اتبع مجمع اللغة العربية في القاهرة، وسائل عديدة من أجل تعريب مصطلحات العلوم الحديث، وترتبط هذه الوسائل في مجملها بفقة اللغة العربية وقواعدها.

3.      إن الوقوف على وسائل واستراتيجيات تعريب المصطلح يؤكد سعة العربية ومرونتها وغناها وقدرتها على تحديث نفسها وتحديث المصطلح دون خدش حياء الأصول التي تواضع عليها السلف، وتواصوا بالمحافظة عليها.

4.      لا قيمة للجهود التي تستهلك في تعريب المصطلح، ما لم توظف هذه الممصطلحات في مجالان الحياة العلمية والتعليمية ، ولا سيما التعليم العالي والبحث العلمي.

5.      المجامع اللغوية التي تتوصل إلى توحيد المصطلحات في مجال معين، وجب عليها أن تبادر إلى تضمين هذه الاصطلاحات في مطبوعة أو نشرة توزعها على خاصة الناس وعامتهم من المستعملين.

6.      أثرت محدودية الموارد المالية المتاحة لدى المجامع ، على عملها وهذا ظهر أثره عند طباعة معاجم المصطلحات ونشرها .

7.      إنتاجات المجامع اللغوية بعيدة عمن يفترض أن توجه إليه، فغالباً ما نسمع أن هذه المجامع أصدرت معاجم تضم مصطلحات موحدة في حقل علمي، غير أن من المؤسف أن هذه المعاجم لا توزع بما يكفي لوصولها إلى أيدي كل المعنيين من باحثين ومترجمين وكتاب علميين .

8.      المجامع اللغوية تطلق توصيات من أجل خدمة اللغة العربية وتنميتها وتطويرها لتكون مسايرة لروح العصر، ولكن المجامع تفتقد السلطة اللازمة من أجل تنفيذ قراراتها وتوصياتها.

9.      وسائل الإعلام لا يتم استغلالها في نشر ما تم إنتاجه في المجامع العربية ، فهذه الوسائل تحقق بالتأكيد التداول والانتشار الواسعين لهذه المصطلحات.

10.  على المجامع اللغوية أن تستغل الانترنت ، في نشر المصطلحات والسعي إلى توحيدها، وهذه فرصة سانحة يحسن بنا أن لا نفوتها لخدمة اللغة العربية .


قائمة المصادر والمراجع

1.       البحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر ، أحمد مختار عمر،عالم الكتب، الطبعة الثامنة، القاهرة 2003م .

2.         بحوث ومقالات في اللغة، رمضان عبد التواب ، مكتبة الخانجي، القاهرة 1415هـ-1995م .

3.         تأريخ آداب اللغة العربية، جورجي زيدان، مكتبة الحياة، بيروت 1983م.

4.       التعريب وتنسيقه في الوطن العربي، محمد الصيادي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت 1980م.

5.       حركة التعريب في الأردن، عبد الرؤوف خريوش، وزارة الثقافة ، عمان2003م.

6.       دراسات في اللغة، مسعود بوبو، دار الكتاب،ط3، دمشق 1991م.

7.       دراسات في علم اللغة، كمال بشر ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة.

8.         الطبعة: -دراسات في فقه اللغة، للدكتور صبحي الصالح، دار العلم للملايين، 1960م.

9.       العربية لغة العلوم والتقنية ، عبد الصبور شاهين، دار الإصلاح ، القاهرة 1404ه-1983م.

10.     عوامل التطوّر اللغوي، للدكتور أحمد حمّاد، دار الأندلس، بيروت 1403ه.

11.     فقه اللغة، علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة.

12.     فقه اللغة وخصائص العربية، لمحمّد المبارك، دار الفكر، بيروت 1401ه.

13.     في أصول اللغة، محمد أحمد ومحمد أمين، المطابع الأميرية، القاهرة 1969م.

14.     كلام العرب من قضايا اللغة العربية، حسن ظاظا، دار المعارف ، مصر 1971م.

15.     لسان العرب، لابن منظور(ت711ه)، دار صادر، بيروت.

16.     الوضع والتعريب ، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، السنة2(كانون الثاني/يناير 1922).

17.     اللغة العربية على مدارج القرن الواحد والعشرين، عبد الكريم خليفة، دار الغرب الإسلامي، بيروت 2003م.

18.     اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، عبد الكريم خليفة، دار الفرقان ، ط3، عمان 1992م.

19.     اللغة والحضارة، إبراهيم السامرائي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 1977م.

20.     مجمع اللغة العربية في خمسين عامًا ، شوقي ضيف، القاهرة1984م .

21.     المرسوم الملكي لإنشاء المجمع، مجلة مجمع القاهرة .

22.     المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي، بتحقيق محمّد جاد المولى وعليّ البجاوي ومحمّد أبي الفضل إبراهيم، دار الفكر، بيروت.

23.     مستلزمات المصطلح العلمي، جميل الملائكة، مجلة المجمع العراقي ، العدد 24، 1974م.

24.     المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، لأمير مصطفى الشهابي، معهد الدراسات العربية العالية، 1965م.

25.     المعارك الأدبية، أحمد أنور سيد أحمد الجندي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة1983م.

26.     معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ، مجدي وهبة وكامل المهندي ، مكتبة لبنان ناشرون- طبعة مزيدة ومنقحة  – بيروت 1984م .

27.       المعجم المفصل في فقه اللغة ، مشتاق معن – دار الكتب العلمية – ط1- بيروت 1422ه – 2001م .

28.   المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة ، مصر.

29.   من أسرار اللغة ، إبراهيم أنيس،مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1978م .

30.     موت الألفاظ في العربية، عبد الرزاق بن فراج الصاعدي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة 1418ه - 1419هـ .

31.     الوضع والتعريب ، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، السنة2(كانون الثاني/يناير 1922). 

 

 

 

 



[1]))  المزهر، ج1/ص268.   

[2]))  المزهر ، ج1/ص269.

[3])) لسان العرب(بخت) ، ج2/ص9.

[4]))  تاريخ آداب اللّغة العربيّة ، ج1/ص39-40 .

[5]))  فقه اللّغة وخصائص العربيّة ، ص295- 296 .

[6]))  دراسات في فقه اللّغة، ص322- 323.

[7])) عوامل التّطور اللّغوي، ص 85 .

[8])) حركة التعريب في الأردن، ص22 . 

[9])) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، ص24.

[10])) دراسات في علم اللغة،ص 325.

[11])) مستلزمات المصطلح العلمي، جميل الملائكة، مجلة المجمع العراقي ، العدد 24، 1974م.

[12]))  المعجم الوسيط، (جمع)، ج1/ص136 . 

[13]))  معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب،ص 337 .

[14]))  المعجم المفصل في فقه اللغة، ص 159-160.

[15]))  المرسوم الملكي لإنشاء المجمع، مجلة مجمع القاهرة، المادة رقم(2) ، 1/6-7 واللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، ص52.

 

[16]))  مجمع اللغة العربية في خمسين عامًا ، ص156.

[17]))  البحث اللغوي عند العرب، ص322 .

[18])) المعارك الأدبية، ص82 .

[19])) من أسرار اللغة، ص131 .

[20])) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث،ص63.

[21])) موت الألفاظ في العربية، ص460.

[22])) التعريب وتنسيقه في الوطن العربي، ص73.

[23])) اللغة العربية على مدارج القرن الواحد والعشرين، ص98.

[24])) العربية لغة العلوم والتقنية، ص376.  

[25])) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، ص74. 

[26])) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، ص107 .  

[27])) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، ص74. 

[28])) الخصائص، ج2/ص447.

[29])) دراسات في اللغة، ص225.  

[30])) كلام العرب من قضايا اللغة العربية، ص89.  

[31])) في أصول اللغة، ص51.    

[32])) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، ص102.

[33])) اللغة والحضارة، ص156. 

[34])) الوضع والتعريب ، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، السنة2(كانون الثاني/يناير 1922)، ص49. 

[35])) فقه اللغة، ص201 .

[36])) بحوث ومقالات في اللغة، ص186-187 .

[37])) بحوث ومقالات في اللغة، ص186 .