(تحدّيات تعليم اللغة العربية) للأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري

المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو-

العضو المراسل في مجمع اللغة العربية بالقاهرة

 

 

 

 

 

 

تحدّيات تعليم اللغة العربية

 

 

دراسة قدمت إلى :

المؤتمر 83 لمجمع اللغة العربية في القاهرة

 

 

القاهرة ـ جمهورية مصر العربية : 24 من أبريل - 8  من مايو  2017م

 

 


من الحقائق المعتبرة والقواعد المقررة في علوم التربية، أن الصعوبة في التعلّـم والعسـر في اكتساب المعرفة، لا يعودان إلى طبيعة المواد الدراسية في حد ذاتها، وإنما يرجعان إلى عنصرين اثنين يتداخلان إلى درجة التلازم:

ـ أولهما: المنهاج المعتمد في التعليم، والطريقة المستخدمة في التلقين.

ـ ثانيهما: المستوى المعرفي والخبرة المهنية للمعلمين.

 ويُضاف إلى هذين العنصرين من علم الاجتماع السياسي، عنصرٌ ثالثٌ يتمثـل في المحيط الاجتماعي وفي المناخ السياسي، للعلاقة الوثيقة بينهما، وبين المنهاج والمدرّس، ولشدة تأثيرهما معاً في العملية التربوية بصورة عامة، سلباً أو إيجاباً. فالتلميذ الذي يتعلم مادة ما في أجواء مريحة من النواحي كافة، وعلى يـد معلم تتوفر فيه شروط الكفاءة المهنية التامة والثقافة العامة والدراية بموضوع المادة التي يدرّسها، لا يشعر بالعسر، ولا يضيق صدره بما يتعلمه أو يجد فيه صعوبة، بل يقبل بكليتـه على ما يتعلمه ويندمج في الدرس بشغف ورغبة، بينما زميله في المستوى الدراسي نفسه وفي العمر ذاته، الذي يعيش في بيئة اجتماعية لا تتوفر فيها مقوّمات الحياة السوية والمريحة والمستقرة للمواطنين عموماً، ويتلقى علومه بأساليب غير مجدية، وعلى يـد معلم تنقصه الخبرة والعلم التربوي والأفق الواسع مع سعة الصدر الذي يكتسبه من يسر العيش حتى ولو لم يكن رغد العيش، يعجز عن استيعاب ما يلـقـن له، وتقصر مداركه عن الفهم السليم والتفاعل مع المواد التي تدرّس له، فيحس بالنفور من تلقي المعرفة، وتنتابه خيبة الأمل، فـيُـرجع ذلك العجزَ الذي يستشعره والقلقَ الذي يجتاحه وهروبَه وكراهيتَـه للمعارف والعلوم التي يتلقاها، إلى صعوبتها ووعورتها وعدم ملاءمتها لمزاجه ومطابقتها لقدراته، فيحكم عليها بما ينفـره منها وينأى به عنها. فيكون العزوف عن متابعة التعلّم، والضيق بالمواد التي كان عليه أن يتعلمها.

وفي هذا الإطار، وإذا كانت القاعدة المنطقية تقول إن الحكم على الشيء فرع من تصوّره، فإن الوضع الحالي للغة العربية إجمالاً، وعلى مستويات عديدة، غير مريح، لا بسبب من طبيعة هذه اللغة من حيث قواعدها وبنيتها وأنساقها، ولكن بسبب ما تتعرض له من نكوص وإعراض من أهلها في الجملة، ومن إقصاء وتهميش من القائمين على الشؤون العامة ممن يملكون بأيديهم مفتاح الولوج بالعربية إلى عالم الانفتاح على الحياة في مرافقها كافة، فيصدّونها عن ذلك ويضيقون عليها الخناق.

وإذا كانت العربية آخذة في الانتشار، وإن بقدر محدود، خصوصاً على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي، وعبر وسائل الإعلام بشكل عام، فإنها تتراجع على الصعيد المدرسي، لأسباب كثيرة يبـرز من بينها القصورُ في المنهج الدراسي وضعف مستوى المعلمين، وتضاؤل مكانتهم الاجتماعية. ويكفي أن يشار في هذا المجال، إلى نوعية الطلاب الذين يقبلون على التسجيل في أقسام اللغة العربية بكليات الآداب وفي كليات التربية وكليات إعداد المعلمين، فهؤلاء في الغالب الأعم ممّن فشلوا في الالتحاق بالكليات الأخرى فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى هذا الاختيار، وهو الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى خريجي تلك الكليات ممن يوظّفوا للتدريس في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية. بل إن الأنكى من ذلك والأشدّ إثـارة للأسف، أن بعضاً غير قليل من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه في علوم اللغة العربية وآدابها، والذين يلتحقون بالتدريس في الجامعة، يعكسون الوضع غير اللائق الذي وصلت إليه العربية، وفي أحايين كثيرة يقدمون صورة مسيئة لها.

فليست العلة في اللغة العربية ولا يقع اللوم عليها، وإنما العلة تكمن في العوامل الموضوعية المؤثرة التي ألمحنا إليها. فاللغة من حيث هي، لا تنغلق عن الفهم، ولا تستعصي على التعلّم، ولا تقام الحواجز من ذاتها هي، دون تعلمها ودراستها وإتقانها وإجادتها، وإنما الحواجز تأتي من خارجها. فليست هناك ألـبـتَّـة لغـةٌ صعبة عسيـرة التعلّم، وأخرى سهلة ميسرة التعلّم، فإذا ما توافرت الإرادة والعزيمة والجو التعليمي المناسب، تيسرت الأسباب بالإقبال عليها وإتقانها.

وليس من شك في أن أساليب تعليم اللغة العربية اليوم ليست مؤثّـرة بوجه عام، ولا هي ميسِّرة للقبول بها والإقبال عليها وللاندماج فيها. فالمنهج التعليمي المعتمد في جل المدارس لم يساير التطور الذي تعرفه مناهج تعليم اللغات في عصرنا. وعلى الرغم من التحسّن الذي أدخله بعض الغيورين على العربية من الخبراء التربويين وعلماء اللغة المتخصصين على مدى العقود السبعة الأخيرة، وظهور كتب مدرسية وأخرى للثقافة اللغوية والنحوية العامة صنفت بأساليب حديثة وصممت بطرق مبتكرة، فإن القاعدة العريضة لتدريس العربية لم تتـأثـر بالقدر الكافي، بالنتائج المحصّل عليها في هذا الحقل التربوي، ولم يقع تطور ذو شأن في أساليب تدريس العربية، ولم يتحسن الوضع اللغوي على النحو الذي يخفف من الأزمة اللغوية التي من مظهرها شيوعُ الضعف العام في اللغة، وانحسارُ إتقانها وإجادتها وتمكينها في حدود ضيقة، وانتشار العاميات والرطانة الهجينة.

ومن الأعمال الرائدة التي كانت تمهيداً للانتقال من المرحلة القديمة في تعليم اللغة العربية إلى المرحلة الحديثة، الكتاب الذي يحمل عنوان (التحفة المكتبية في تقريب اللغة العربية) الذي ألفه رفاعة رافع الطهطاوي في سنة 1285هـ وطبعه في سنة 1286هـ. وهذا الكتاب غير مسبوق في المكتبة العربية بعد عصور التأليف التي انتهت في حدود القرن العاشر الهجري، وهو يعـدّ فتحاً في التأليف اللغوي وفقاً للطرق الحديثة التي اقتبسها المؤلف من إقامته في فرنسا خلال السنوات 1825-1833م. والكتاب يساعد المدرسين على تجويد العمل التعليمي الذين يقومون به في تعليم اللغة العربية بمنهاج مبتـكر. ويمكن القول إن رفاعة رافع الطهطاوي وضع الأسس المنهجية لتيسير تعـلّم اللغة العربية في تلك المرحلة المبكرة التي كان فيها العالم العربي غارقاً في ظلام الجهل والتخلف. وفي مباحث هذا الكتاب ما ينير الطريق أمام طلاب العلم من مدخل إتقان اللغة العربية وتقريبها إليهم(1).

(1) الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، الجزء الخامس، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، 2011.

ولقد عرف القرن العشرون تطوراً مهماً في التأليف المدرسي اللغوي، بحيث توفرت مجموعة من المؤلفات التي تُعنَى بتبسيط تدريس اللغة، وتهدف إلى تيسير طرق الإحاطة بها واستيعابها، نذكر منها كتاب (النحو الواضح في قواعد اللغة العربية) الذي صدر في الأربعينيات من القرن الماضي عن دار المعارف في القاهرة، وتوالت طبعاته إلى أن تجاوزت الأربعين، لمؤلفيه عليّ الجارم ومصطفى أمين، وهو في ثلاثة أجزاء للمرحلة الابتدائية، وثلاثة أجزاء للمرحلة الثانوية. والغريب أن الناشر للكتاب هو ماكملان وشركاه بلندن. وقـد قال المؤلفان عن عملهما في هـذا الكتاب : « .. وقد نحونا في هذا الكتاب طريقة الاستنباط التي هي أكثر طرق التعليم قربًا إلى عقول الأطفال، وأثبتها أثـراً في نفوسهم، وأقربها إلى المنطق؛ لأنها خيرُ دافعٍ إلى التفكير والبحث، وتعرّف وجوه المُشابهة والمُخالفة بين الأشباه والأضداد؛ فقد أكثرنا من الأمثلة التي تستنبط منها القواعد، على طرازٍ حديثٍ لم يسبق له مثال .«..وهذا صحيح ما في ذلك أدنى شك.

كما صدر كتاب (النحو الوافي) للدكتور عباس حسن في أربعة أجزاء، وهو مخصص للمرحلة الثانوية وما بعدها، صدرت منه حتى سنة 2010 عن دار المعارف بالقاهرة الطبعة الخامسة عشرة. وقد جمع هذا الكتاب (ألفية ابن مالك) ومعظم شروحها، و(قطر الندى)، و(شذور الذهب) وغيرها من كتب النحو، ورتبها وعلق على الشاذ منها، مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة. ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى كتاب (جامع الدروس العربية) لمؤلفه مصطفى الغلاييني الصادر في ثلاثة أجزاء، وكان معتمداً في معاهد المعلمين وفي أقسام اللغة العربية ببعض الكليات، وهو يعـدُّ من أهم المراجع المعاصرة للنحو العربي، فقد نال شهرة علمية لغوية واسعة بفضل ما امتاز به من السهولة وحسن العرض والتناول، فضلاً عن تمكن مؤلفه في علوم العربية وتقدمه فيها مما أكسبه مقدرةً على العطاء الجزيل، فتجد بين دفات هذا الكتاب مادة غزيرة مستلهمة من بطون المؤلفات التراثية تعفي القارئ من مهمة الاطلاع على المطولات في النحو، فهو يشتمل على ما تدعو الحاجة إليه من قواعد وفوائد، وجاء جامعاً صحيحاً يقرب القواعد من أفهام المتعلمين، ويضع العناء عن كاهل المعلمين وأساتذة الجامعة أيضاً المتخصصين في اللغة العربية.

إلى جانب هذه المؤلفات التي صارت ذائعة الصيت، صدرت مؤلفات أخرى، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، سلسلة (أحب العربية) التي أطلقها مكتب التربية العربي لدول الخليج في سنة 1988، وصدر منها حتى الآن المستوى العاشر (كتـاب الطـالب)، و(كتـاب التدريبات)، و(كتـاب المعلم)، ويهدف مكتب التربية العربي لدول الخليج إلى استكمال السلسلة في أربعة عشر مستوى تعليميـاً. وصدرت في هذا المجال أيضاً كتب مدرسية أخرى اشتهرت وامتد أثـرها إلى نطاق بعيد، وساهمت في تقريب العربية إلى الناشئة، واستفاد منها المدرسون والصحافيون والإذاعيون وغيرهم ممن تتطلب مهنُـهم إتقان العربية، ومنهم القضاة والمحامون الذين كانوا، خلال المرحلة السابقة، يحتفون بالعربية، ويحرصون على التفوق فيها، ويتنافسون في الحديث بها في الوظائف التي يزاولونها. وهو الأمر الذي أصبح اليوم من علامات الماضي، يوم أن كان طلاب كليات الحقوق والشريعة هم من أنجب دارسي اللغـة العربية، بحيث كانوا يتسابقون إلى حضور المحاضرات في أقسام اللغة العربية بكليات الآداب التي يلقيها كبار الأساتذة ليكتسبوا معرفة أعمـق بالعربية وبطرق أحدث للإلقـاء. وقد تغيرت الحال في فترتنا هذه لدرجة أن جل العاملين في وظائف القضاء والمحاماة وفي الصحافة والإعلام، بل حتى القيادات السياسية، يقدمون جميعهم صورة غير مقبولة للجهل بقواعد العربية، والانتهاك لحرمتها، والإساءة إلى قيمتها(2). وذلك شكل من أشكال التحديات التي تواجه تعليم اللغة العربية، لأن أمثال هؤلاء العاقين للغتهم، ينفّـرون الناس عنها ويكرّهونهم فيها.

 

(2) في عموده اليومي بجريدة (الشروق) القاهرية (17/12/2016) كشف فهمي هويدي عن مستوى الهبوط الذي وصلت إليه اللغة العربية في مصر في الأوساط الإعلامية والسياسية، وضرب مثلاً على ذلك بنشر إعلان في جريدة (الأهرام) عن كتاب أصدرته هذه المؤسسة الصحافية للمراجعات النهائية للفصل الدراسي الأول للمرحلة الابتدائية، ذكرت أن معديه نخبة من مقدمي البرامج التعليمية في مختلف التخصصات، وكان العنوان الرئيس للإعلان الذي أريد به الانتباه للكتاب كالتالي (بشرة (كذا) لراغبي التفوق)، والمقصود (بشرى). وردَّ الكاتب هذا الانحدار في العربية إلى طرق تدريس اللغة التي تؤدي إلى نفور التلاميذ منها، وذكر أن الجهل باللغة العربية هو القاعدة بين خريجي المدارس الفنية والمتوسطة. وهؤلاء هم السواد الأعظم من الأجيال الصاعدة.

لقد أثمرت هذه الجهود في التأليف اللغوي المعاصر، وقدم المؤلفون لهذه الكتب المدرسية خدمات جلى للغة العربية، يسَّـرت إلى حد ما، السبل أمام أجيال متعاقبة من التلاميذ والطلاب. ولكن هذه الاجتهادات النحوية واللغوية من حيث اختيار المنهاج المناسب، وطرق التدريس، ومراعاة التناسب والتناسق والتناغم في تعليم العربية، كانت دائماً، ولعلها لا تزال، تواجه ضعف المنظومة التعليمية بصورة إجمالية، الذي يعود إلى عوامل عدة تشكل في حد ذاته، عقبات أمام الراغبين في تعلّم العربية وإتقانها وإجادتها، هي من المنظور المنهجي المتكامل، تحديات تَـتَـصَـاعَـدُ حـدتُـها وتشتـدّ وطأتها من بيئة إلى أخرى، تـؤثـر بشكل مباشر في تعليم اللغة العربية.

في النصف الأول من القرن العشرين حين نما الوعي الحضاري بأهمية تدريس اللغة العربية والتمكين لها وتحبيبها إلى الأجيال الناشئة، كان معجم (المصباح المنير) للفيومي(3) ينتشر بين أيدي التلاميذ والطلاب في مصر، في الطبعة المختصرة التي نشرتها وزارة المعارف (التربية والتعليم) وعممتها على المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية. وكان خريجو المدارس على اختلاف درجاتها، لا يقلون إجادةً للغة العربية من خريجي الجامعات. ويعود ذلك، من جميع النواحي، إلى المستوى الراقي لمنهج تدريس العربية. وهو المستوى الذي هبط إلى الدرجة التي تدق ناقوس الخطر اليوم.

يروي ميخائيل نعيمه في سيرته الذاتية (سبعون ..) كيف أنه تعلم العربية في المدرسة المسكوبية (الأرثوذكسية) بمدينة الناصرة في فلسطين خلال الفترة من 1902 إلى 1906، بفضل ابن مالك وابن عقيل. فيقول عن نفسه وهو تلميذ في الثالثة عشرة من عمره، إن منهاج العربية للسنوات الست كان يبتدئ بتدريس ألفية ابن مالك كما شرحها ابن عقيل، وينتهي بتاريخ الأدب العربي من وضع أحـد المستشرقين الروس. ويمضي قائلاً:

(3) العنوان الكامل لهذا المعجم (المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)، لمؤلفه أحمد بن محمد الفيومي المقري (من فيوم العراق لا فيوم مصر).

« والغريب أن تستهويني ألفية ابن مالك على ما في استظهار متنها من إرهاق للذاكرة وما في تفهّم شرحها من مشقة للفكر»(4). وكان معلم العربية في تلك المدرسة هو جبران فوتيه من بيروت، مؤلف كتاب (البسط الشافي في علمَيْ العروض والقوافي). وهو الكتاب الذي قال ميخائيل نعيمه عنه : « اعتمدناه بعد سنتين في فك طلاسم العروض وحسبنا من بعـده أننا بتنا نملك المفتاح إلى الشعر وقلبه الفسيح»(5). فناهيك بمدرسةٍ تدرّس العربية لتلاميذها الصغار بألفية ابن مالك وبشرح ابن عقيل لها وعلى يـد معلم مـقـتـدر هو مؤلف كتاب في العروض.

ويـعـدّد مصطفى صادق الرافعي في وقت مبكر من القرن العشرين، الوسائل لإحياء اللغة العربية، في ردوده على أسئلة طرحتها عليه مجلة (الهلال)، فيذكر منها : "إصلاح تعليم العربية وآدابها، ونبذ هذه الدفاتر الغـثـة التي يدرسون (التلاميذ) فيها، والرجوع إلى طريقة الرواة المتقدمين (الطريقة الإسكلوبيدية) ـ والقوسان من وضع الرافعي ـ مما يجمع الفن والأدب واللغة والبلاغة، ويطبع الناشئ على المَـلَـكَـة الصحيحة، ويستحدث له ذوقـاً في لغته، ويُـقيم الكتب نفسَها مقام العرب والـرواة الذين كانوا هم أهل دولة البلاغة، وتعليم العلـوم كلها ـ إلا عـلوم اللغات وآدابها ـ بالعربية، وتعريب ما ليس فيها من ذلك ونشره، ونشر الكتب العربية القيمة"(6).

وقد سقنا هذا المثال للدلالة على أن منهاج تعليم اللغة العربية في المراحل السابقة، كان أقوم منه اليوم. فهذه مدرسة تابعة لروسيا القيصرية في قلب فلسطين خلال فترة الدولة العثمانية، تدرّس العربية لتـلاميذها مـن

(4) ميخائيل نعيمه، سبعون ..، ج 1 ص 178، مؤسسة نوفل، بيروت، طبعة أولى 1977.

(5) المصدر نفسه، ص 177.

(6) مصطفى صادق الرافعي، أجوبته عن أسئلة طرحتها مجلة (الهلال) على نخبة من الأدباء وعلماء العربية، العدد 5، السنة الثامنة والعشرون، فبراير 1920. وفي عام 1923 أصدرت (الهلال) كتاباً تضمن تلك المقالات والردود بعنوان (فتاوى كبار الكتاب والأدباء)، وأعادت مجلة (الدوحة) القطرية نشره في سنة 2013 وقدم له سعيد بنكراد. ويقصد الرافعي من (الطريقة الإسكلوبيدية) إلى الكلمة الإنجليزية encyclopedia أي الموسوعة أو دائرة المعارف، وهي المتعارف عليها في التراث العربي الإسلامي بطريقة (الجمهرات) التي كانت سائدة في معاهد العلم. والتعليق مقتبس من كتاب (مقالات الرافعي المجهولة في اللغة والأدب) لوليد عبد الماجد كساب، (كتاب المجلة العربية)، العدد 242، الرياض، 2017.

أبناء النصارى الأرثوذكس العرب، بهذا المنهاج الذي لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إنه يفوق المناهج المقـررة في بعض الجامعات العربية اليوم. وهذا أحد فحول العربية في القرن العشرين، يعـدّ إصلاح تعليم اللغة العربية سبيلاً لإحيائها ووسيلة للنهوض بها، في زمن مبكر من القرن العشرين. كان التعليم فيه محدوداً للغاية، وكانت المناهج الدراسية عقيمة في الجملة، ولكن منهاج تعليم اللغة العربية كان على درجة عالية من الجودة. ويجب أن لا ننظر إلى ذلك المنهاج من زاوية عصرنا، أو نحكم عليه في ضوء واقعنا الحاضر، حتى لا يبدو منهاجاً صعباً وشاقـاً وفوق الطاقة بالنسبة لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية. فهذا المقياس غير سليم، ومما يبطله أن تعليم العربية في تلك الفترات، لم يكن تواجهه التحديات الصعبة الكثيرة كما تواجهنا اليوم، وذلك لسببين رئيسَيْن؛ أولهما أن المنهاج الدراسي كان جاداً وقويماً ومؤثراً، وثانيهما أن مستوى المعلمين كان يسمح لهم بأن يحبّـبـوا العربية للمتلقين لها في مناخ عام كانت العربية محل تقدير وموضع اعتبار من المجتمع.

إن التحدّيات الداخلية التي تواجه تدريس اللغة العربية بالطرق المتطورة، وبالأساليب التي تحبّب النشء فيها وتحفـزه إلى التعلق بها وإيثارها على غيرها، والناتجة عن العوامل الآنفة الذكر، هي من حيث العمق، تختلف عن التحديات الخارجية، فهي أشدّ تأثيراً على ضعف الطلاب وغيرهم في اللغة العربية، وأبعد أثـراً في تخلف العربية عن ركب التقدم العلمي والازدهار المعرفي. فإذا كانت التحديات الخارجية تتـمثـل أساساً في الموقف الذي يتخذه خصوم العربية، من أهلها ومن غيرهم، تجاهها للحـدّ من انتشارها، ولتشويه صورتها، ولمزاحمتها بالعاميات والرطانة الهجينة حتى تكون الغلبة لها لا للفصحى، ولوضع العراقيل أمام تعليمها من أجل فسح المجال للغات الأجنبية التي تقف خلفها الدول الاستعمارية التقليدية بمؤسساتها وهيئاتها وبإمكاناتها المادية وبوسائلها التقـانية وأساليبها التدريجية، فإن التحديات الداخلية تتعـدد أشكالها وتختلف تداعياتها وآثارها، وهي تتمثـل في الضعف العام الذي يطبع المنظومة التعليمية بصورة إجمالية، وفي قصور المناهج التربوية في المواد الدراسية كافة، وليس في مادة اللغة العربية فحسب، وتخلفها عن الطرق الحديثة في تعليم اللغات، إلى جانب هشاشة الأوضاع العامة في جـل البلدان العربية والإسلامية، مما ينعكس سلباً على عملية تعليم العربية جملة وتفصيلاً، مما يكون له آثـار سلبية شديدة الخطورة على الهوية، والذاكرة، والضمير، والفكر، والثقافة، في مناخ غير صافٍ تعصف فيه رياح البـلبـلـة والتخبـط والارتـبـاك باستقرار المجتمعات.

ونستطيع أن نختصر استعراض التحدّيات التي تواجه اللغة العربية بصورة عامة، تعلماً وتعليماً، وتدريساً ودراسةً، فيما يلي :

ـ زحف العامية على الفصحى مما ينتهي إلى استبدال الأولى بالثانية.

ـ تطوير الفصحى حتى تقترب من العامية لدرجة تفقدها خصائصها وتفرط في بنيتها.

ـ الهجوم الضاري على الحروف العربية، والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية بديلاً عنها.

ـ إسقاط الإعراب في الكتابة والنطق.

ـ الدعوة إلى إغراق العربية في سـيـل من الألفاظ الأجنبية.

ـ محاربة تطبيق مناهج اللغات الأوروبية على اللغة العربية ودراسة اللهجات العامية(7).

هذه أبرز التحدّيات ـ حتى لا نقول أهمّها، لأنها سالبة لأية أهمية ـ التي تعمل عملها في إضعاف مستويات تعلَـم العربية وتعليمها على نطاق واسع، مما بات يشكل أزمة حضارية هي إحدى الأزمات الخطيرة.

(7) د. محمود السيد، (التمكين للغة العربية .. آفاق وحلول)، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، الجزء : 2، المجلد : 83، ص : 311، ربيع الأول 1429هـ.

ولعل مراجعة سريعة لمستويات الدراسة في معاهد المعلمين وفي كليات علوم التربية في البلدان العربية ومعايير القبول فيها، تكشف لنا مصادر الضعف الذي يطبع المنظومة التعليمية بشكل عام. فالخريجون في هذه المعاهد والكليات يعوزهم التأهيل المهني المطلوب، وتنقصهم المعرفة الدقيقة والمستوفية لطرق التدريس المتطورة، بحيث يعجزون عن أداء المهمة المنوطة بهم على أحسن الوجوه، خصوصاً في مجال تدريس العربية. ولذلك فإن إصلاح الحال يجب أن يبدأ من إعادة النظر في المناهج المتبعة في معاهد المعلمين والمدارس العليـا للأساتـذة وكليات علـوم التـربية، على أن يَـتَـوَازَى ذلك الإصلاحُ مع تغيير المنهاج المعتمد في تعليم العربية في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، لأنها هي المنطلق والأساس الذي يُـبْـنَى عليه.

جاء في تقرير يحمل عنوان (العربية لغة الحياة) وضعته لجنة تحديث تعليم اللغة العربية(8)، توصيات على قدر كبير من الأهمية، يحسن أن نوردها في هذا السياق، باعتبار أنها وسائل منهجية مبنية على دراسات قام بها الخبراء، لمواجهة الصعوبات التي تعترض تعليم العربية والتي ترقى إلى مستوى التحديات. ونحن نسوقها فيما يلي على سبيل الاستئناس بها :

ـ إعطاء معلمي اللغة العربية التدريب اللازم والوقت الكافي لمناقشة ممارساتهم التعليمية وللانخراط في أحاديث مهنية ستضيف حتماً إلى رصيد المشاركين، حيث إن تبادل الخبرات والتفكّر العميق فيها وفي القضايا التي يصادفها المعلم في التعليم وفي الصفوف، كل ذلك ينعكس إيجابياً حسب نتائج الدراسات، على أداء المعلمين، وبالتالي على تحصيل الطلاب بصورة عامة وفي جميع المواد الدراسية.

ـ تدريب معلمي اللغة العربية على استخدام العربية الفصيحة السليمة والتحدث بها باطراد في صفوفهم. وحث معلمي المواد الأخرى ممن يدرسون موادهم بالعربية، على أن يستخدموا العربية الفصيحة في صفوفهم كذلك وتدريبهم على ذلك.

(8) تم تشكيل لجنة تحديث تعليم اللغة العربية بتوجيهات من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في 13 من أبريل سنة 2012. وتـعـدّ هذه اللجنة التي يرأسها العالم المصري الدكتور فاروق الباز، مبادرةً لوضع تصور حديث في تعلّم اللغة العربية وتعليمها. وتتشكل اللجنة من خبراء تربويين وأكاديميين وسياسيين وإعلاميين بارزين.

ـ تدريب معلمي اللغة العربية على تطبيق الأنواع المختلفة من التقييم ومنها التقييم الشخصي، والتكويني، والمستمر، والختامي، وتدريبهم على السياق المناسب لكل نوع من أنواع التقييم وكيفية تطبيقه، وتفسير نتائجه، واستخدام النتائج المستمدة منه لتحسين عملية التعلم.

ـ تدريب معلمي اللغة العربية على تطبيق أفضل الممارسات التدريسية في صفوفهم والتي تتضمن التحدث بالعربية الفصيحة، والعمل التعاوني، وتطبيق أنواع القراءة الأربعة، وما يعرف بورشة القراءة وورشة الكتابة، والاجتماعات الفردية، وتطبيق التعلم المبني على المعايير والتعلم المبني على الأدب وغيرها.

ـ تدريب معلمي اللغة العربية على أهمية استخدام المهارات الماوراء معرفية، والتي تشمل التفكر في ممارساتهم الصفية بشكل يومي (التفكر قبل التعليم والتفكر خلال التعليم والتفكر بعده) فيتعلمون بذلك من خلال التعليم (التعلّم من التعليم)، ويصبح التعليم خادماً وميسّراً للتعلم (التعليم للتعلّم).

ـ توفير مدرّب للمعرفة القرائية في كل مدرسة، على أن تكون مهمته تدريب المعلمين في المدرسة على تطوير ممارساتهم وطرائق التعليم التي يستخدمونها، إضافة إلى مساندة المعلمين في البحث عن مصادر للتعلّم، وفي نمذجة تعليم بعض الصفوف، أو في المشاركة في التعلّم التعاوني، وهكذا.

ـ إعطاء معلمي اللغة العربية التدريب الكافي لاستخدام نتائج الدراسات والأبحاث التربوية المتعلقة بالمعرفة القرائية لتحسين ممارساتهم الصَـفِّـيـة وتعلّم الطلاب.

ـ إعطاء معلمي اللغة العربية وقتاً كافياً للاجتماع بزملائهم ولتبادل الأفكار والآراء والخبرات، سواء كان ذلك في طرائق التعليم، أو التقويم، أو الخبرة في مجال أخذ القرارات الصائبة داخل الصفوف.

ـ تدريب معلمي اللغة العربية باللغة العربية على يد مدرّبين مهرة ومتخصصين في التربية وفي تعليم اللغات. ولتوفير الجهد والمال، على المدارس اتخاذ نموذج "تدريب المدرّبين"، أو بعبارة أخرى سائدة في بعض دول المغرب العربي (تكوين المكونين)، وهو نموذج للتدريب يقوم على تدريب الخبراء لعدد كافٍ من الأساتذة أو المشرفين في منطقة تعليمية معيّنة ليأخذ هؤلاء المتدربون دور تدريب معلّمي اللغة العربية في المراحل التعليمية المختلفة.

ـ تدريب معلّمي اللغة العربية في المدارس كافة لإيجاد نظام للكفاءة اللغوية من شأنه تحسين قدرات الطلاب آخذين بعين الاعتبار أن تنفيذ ذلك لابد له من أن يعتمد على مدراء المدارس والمدرسين المتمكنين.

ـ أن يكون إنجاز الطالب داخل حجرة الصف الغاية النهائية من التدريب. فالمعلم يتدرب ليطور مهاراته وقدراته، وبالتالي تطوير قدرات طلابه ومهارتهم. وإن أي تدريب يغفل هذه النقطة، فإنه سيكون تدريباً شكلياً لا معنى له.

وسعياً لتحقيق التكامل لعناصر المواجهة الجدّية، وبالوسائل العلمية الموثوق بفعاليتها وقـوة تأثيرها على العملية التعليمية، لتحديات تعليم اللغة العربية، يقدم التقرير المذكور توصيات لتحديث تعليم النحو، باعتبار أن النحو التعليمي يؤدي دوراً مهماً يتلخص في المفهوم العام بضبط صحة المنتج اللغوي؛ فالنحو وسيلة لا غاية عند معظم الناس، وبخاصة طلبة المدارس الذين ليسوا بحاجة تواصلية إليه تدعوهم إلى الخوض في أعماقه. وهذه التوصيات تحدد مكامن العطب الذي أصاب تدريس مادة النحو التي هي الأساس في تعليم العربية، مما يكشف عن ضرب من التحديات التي تؤثر سلباً على العملية التعليمية بصورة إجمالية.

ومع أهمية ضبط صحة المنتج اللغوي، إلا أن الاهتمام بالنحو لغرض التواصل، لابد أن يكون المعنى ضالته في المقام الأول. لذا ينبغي أن يكون الاهتمام بشكل أواخر الكـلـمات، الذي يركز عليه النحو التعليمي تركيزاً يكاد يكون حصرياً في مناهجنا ومدارسنا، تحت عنوان ضبط صحة المنتج اللغوي حديثاً وقراءةً وكتابةً، وسيـلـةً لخدمة المعنى الذي هو لـبُّ التواصل والغاية من التعلّم.

ومن أنواع التبسيط ألا يقدّم المنهاج أو المعلم بعضَ أبواب النحو بمجملها في وحدة واحدة، بل يُعمل على تجزئتها على عدة وحدات ليسهل تعلمها وتعليمها. فعلى عكس المتداول في أغلب الأحيان، يمكن تقديم كان وأخواتها، أو إن وأخواتها، أو مختلف أنواع الحال أو التمييز في عدة وحدات ودروس، مشفوعة بالنصوص الحية، بدلاً من الجمل المتوارثة المبتورة عن سياقها، لبث الحياة رويداً رويداً في عروق النحو من أجل تحبيب الطلاب فيه.

ومن وجوه التيسير أيضاً، القبول بمبدأ الشيوع في النحو؛ فالنحو يتطور كما يتطور المعجم بتطور اللغة العربية بشكلها المعاصر، وما التوسع في باب الروابط في اللغة العربية المعاصرة، إلا مثال على هذا التطور. لقد حاول المعجميون العرب القدامى متابعة هذا التطور واستلهامه في تطوير قواعد النحو العربي تأسيساً مرجعياً، الهدف منه التيسير والاستغناء عن العويص في النحو الذي أرهق فـهـمُ دقـائـقـه وغريبه أهـلَ اللغة الأوائل، وهم أقرب منا إلى عصر الفصاحة وعصور التأليف في هذا العلم.

وإذا كان الهدف في نهاية المطاف، أن تكون العربية لغة حياة، فلابد من بناء المنهاج المدرسي على أسس سليمة، ليعكس وظائف اللغة الرئيسَة من وصفٍ وسردٍ وإرشادٍ وإجراء ونقل معلومة وإقناع وحجاج وغيرها، هي في مجموعها الوظائف التي تشكل منظومة لتعليم اللغة العربية، إذا أُحسن توظيفها وبصورة متكاملة، كانت إحدى الوسائل التي تبطل مفعول التحديات التي تجابه تعليم العربية.

فإذا وقع الالتزام بتطبيق هذه التوصيات الدقيقة في صياغتها والعميقة في مضامينها، أمكن التوصّل إلى صيغة عملية مـرنـة للتغلّب على الصعوبات التي تعترض تعـلّـم اللغة العربية وتعليمها. فهذه التوصيات، وغيرها كثير، التي تتضمنها الدراسات التي أنجزت في هذا الحقل اللغوي والتربوي، هي المدخل إلى إصلاح منهاج تعليم العربية إصلاحاً شاملاً، يقوّم الاعوجاج، ويسـدّ الفجوات، ويقـرّب اللغة العربية إلى التلاميذ والطلاب، وإلى كل من يريد تعلّم العربية من غير الناطقين بها الذين يَـتَـزَايَـدون باطراد بصورة ملحوظة، سواء داخل العالم العربي الإسلامي، أو في الخارج، خصوصاً بعـد الإعلان عن اليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر من كل سنة) بقرار من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة -يونسكو-(9).

(9) تشير الدراسات إلى أن نسبة المقبلين على تعلم اللغة العربية في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، ارتفعت إلى 127% في الفترة بين عامي 2000-2006، فوصل أعداد دارسي اللغة العربية إلى 24 ألف طالب. إضافة إلى ذلك تزايدت أعداد مراكز البحث وأقسام تعليم اللغات الأجنبية، وحتى المدارس الثانوية التي تدرس اللغة العربية وثقافة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما مكّن اللغة العربية، ولأول مرة في تاريخ تعليمها في الولايات المتحدة الأمريكية، من أن تُصنف ضمن اللغات العشر الأكثر تعلماً. كما أن عدد دارسي اللغة العربية بهذه الجامعات ارتفع بنسبة 92% في الفترة الممتدة من 1988 إلى سنة 2002. وقد أعادت هذه الأرقام للغة العربية عافيتها وتطورها؛ فغيرت كثيراً من وضعيتها. بعدما ظلت قابعة طيلة ربع قرن من الزمن خارج لائحة اللغات العشر الأكثر دراسةً في الجامعات الأمريكية. (أحمد فرهادي، شبكة صوت العربية: www.voiceofarabic.net).

إنّ النظرة المتعمقة إلى صلب المسألة التي تتجاوز المظهر إلى الجوهر، تظهر لنا بالوضوح الكامل أن للإصلاح اللغوي ـ إن جاز هذا التعبير ـ صلة قوية ومباشرة بضروب الإصلاح على اختلافها، ومنها الإصلاح السياسي، والإصلاح الإداري، والإصلاح الاقتصادي، والإصلاح الثقافي، والإصلاح التربوي. فتلك هي الوسائل الفعالة والمجدية التي من شأنها إذا ما اعتمدت وعُـمـل بها، أن تخفف من حـدّة التحديات التي تواجه تعليم اللغة العربية، وتيسير السبل لتقريب العربية إلى الراغبين في تعلمها، ويختصر مسافة الطريق إلى اكتساب المعرفة بها.

فمن خلال هذه الرؤية الشمولية إلى هذه المسالة التي نحن بصدد بحثها وتقليب وجهات النظر فيها، يمكن أن نتوصل إلى حلول عملية ذات فعالية وتأثيـر لرفع التحديات جميعها، مصداقـاً للقاعدة المقررة (إصلاح الحال من إصلاح اللسان). والتجويد في تعليم اللغة هو الأصل في هذا الضرب من الإصلاح، كما يتضح لكل ذي عقل حصيف ونظر سديد.

لقد قام الجيل الرائد الذي وضع الأسس للنهضة الثقافية والفكرية والتعليمية في العالم العربي، بواجبه تجاه أمته في حدود الإمكانات التي توفرت لديه، وكانت محدودة، وذلك نظراً لطبيعة المرحلة، سواء في أواخر القرن التاسع عشر، أو في مطالع القرن العشرين، فكانت البوادر الأولى مشجعة وواعدة، واستمرت في الإثمار والإنضاج إلى أن دخل العالم العربي طور التراجع الحضاري، لأسباب عـدة لا يسمح مجال البحث بالخوض فيها. وشمل هذا التراجعُ  اللغةَ العربية، التي وإنْ كانت قد اتسع نطاقها وامتدّ انتشارها في الآفاق بحكم تطور وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، فإنها لم تـرقَ الرقيَّ المعنويَّ والمعرفيَّ الذي ينسجم مع ذلك الانتشار، فظلت قاصرةً عن الوفاء بمتطلبات الحياة المتطورة، بسبب من العطب الذي أصاب عملية تدريسها للأجيال الصاعدة على أكثر من مستوى، مما بات يشكل أحد التحديات التي يتوقف النهوضُ بالعربية على مواجهتها بما يلزم من الجدية والعزيمة والإرادة السياسية التي هي المفتاح للولوج إلى الآفاق الجديدة لتطوير العربية وتجديدها حتى تواكب ركب التقدم المعرفي الذي يقود الإنسانية نحو المستقبل الذي يعمّـه السلام.

وحينما تجتمع التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه تعليم اللغة العربية، على النحو الذي نعرفه اليوم، فإن الضرورة لكسب رهان التنمية الشاملة المستدامة في جميع الميادين، بما فيها التربية والتعليم والثقافة والعلوم والتقـانـة، تقتضي المواجهة الصارمة لإصلاح الوضع، ولتقويم الاعوجاج، ولرفع التحديات، ولإزالة الخطر الذي يتهدد الهوية العربية الإسلامية في الصميم. وتلك هي مهمة صانعي السياسات العامة، وليست فقط مهمة المجامع العلمية اللغوية، لأن القضية أكبر من أن تكون قضية لغوية في المقام الأول.

ولئن كانت هذه المهمة الثقيلة الكبرى تتطلب اجتهـاداً لغويـاً ـ إنْ جاز القول ـ لتدارك النقص الذي يلازم تعليم اللغة العربية حسب ما عرضنا له من قبل، فإنها تحتاج في البـدء والختام، إلى إرادة سياسية واعية، ورشيدة، ومسؤولة، وقادرة على اتخاذ القرارات المناسبة للنهوض باللغة العربية من النواحي كافة، ولردّ الاعتبار لها، ولإحلالها المكانة اللائقة بها، واستحداث الوسائل والطرق التي تقربها إلى أهلها، وإلى غيرهم من شعوب العالم.

والتحدّيات التي تواجه تعليم اللغة العربية لأبنائها لا تقل حدّةً وضراوةً عن التحديات التي تجابه غير الناطقين بها. إذ يواجه متعلمو اللغة العربية من هؤلاء، مجموعة من التحدّيات التي لابد من دراستها، والبحث عن الحلول المناسبة لها. وتتنوع التحديات بتنوع المتعلمين أنفسهم، فالذين يتعلمون اللغة العربية كلغة أجنبية في الدول غير العربية، يجدون أنفسهم أمام تحدّ مهم، وهو قلة فرص استخدام اللغة العربية في الحياة اليومية. وهو تـحـدّ لا يواجه متعلمي اللغة العربية الذين يعيشون في البلاد العربية ويتعلمونها كلغة ثانية. ومثل هذا التحدّي يمكن مواجهته بتوفير فرص التفاعل مع المعلم والزملاء وحتى الطلاب العرب في جامعاتهم. أما داخل الصف، فيتم من خلال جعل المحادثة مهارةً رئيسَةً باستخدام الحوار والمناقشة والتخلي عن أسلوب المحاضرة. فالحوار والمناقشة يعززان ثقة المتعلم بنفسه، ويمكنانه من الدخول في محادثات يومية مع المعلم والزملاء، وتكون الفرص أكثر حين يوجد في الصف طلاب من أصول عربية يتعلمون اللغة لتطوير مهاراتهم اللغوية التي يكونون قد اكتسبوا بعض مهاراتها داخل البيت، ومن زياراتهم المتكررة لبلادهم الأصلية. كما أن الإكثار من الأنشطة الجماعية داخل الصف وخارجه، تعوضهم عن النقص في فرص الحديث بالعربية. إضافة إلى المؤسسات التعليمية يمكن أن تقوم من آن لآخر بعمل أنشطة مثل المخيمات اللغوية. وفي هذا النوع من النشاطات، يقضي الطلاب أياماً خلال عطلة نهاية الأسبوع أو في الإجازات لا يتحدثون بغير اللغة العربية، ولا يقرؤون سوى مواد باللغة العربية، ولا يستمعون ولا يشاهدون إلا مواد باللغة العربية، حيث تتوفر مواد سمعية وبصرية كالأفلام والمسرحيات والأخبار والبرامج الحوارية العربية(10).

أما التحدّي الآخر فهو قلة وجود المعلمين المدربين على تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية. فكثير من معلمي اللغة العربية في البلاد الأجنبية، هم عرب تخرجوا في الجامعات العربية، وتم تأهيلهم لتعليم اللغة العربية لأبنائها. كما أن فئة لا بأس بها من المعلمين، ليسوا من خريجي أقسام اللغة العربية، حيث نجد أحياناً ـ خصوصاًَ في المدارس العربية الخاصة ـ متطوعين من المهندسين والأطباء وأصحاب المهن الأخرى. ومواجهة هذا التحدّي تحديداً تكون بتكثيف تدريب هؤلاء المعلمين(11).

إن اللغة العربية في بلدانها تعاني السلبية تجاهها في الموقف والممارسة في آن واحد؛ فالموقف السلبي من اللغة العربية يأخذ عدة أشكال ويختبئ خلف عدة تبريرات، ولا سيما من حيث استخدامها لغةً للتدريس حتى في المراحل الأولى للتعليم. ونجد أن هذا الموقف السلبي يطاول سياسيين ومربين ومواطنين عاديين على حد سواء. ففي دراسة أنجزت حول التعليم المبكر في لبنان، على سبيل المثال لا الحصر، تبين أن أغلبية الأهل (43 في المائة) يفضلون تعليم أطفالهم اللغة الأجنبية أولاً في المدرسة، باعتبار أنهم يتعلمون لغتهم في البيت، بينما بلغت نسبة من يودّون تعليم أطفالهم اللغة العربية أولاً (13 في المائة)، ولغتين سوياً (39 في المائة)، بينما جاءت ردود المعلمات مختلفة، حيث يفضل (13 في المائـة)

(10) شبكة صوت العربية : www.voiceofarabic.net .

(11) المصدر نفسه .

منهن تعلم اللغة الأجنبية أولاً، و(48 في المائة) يفضلن اللغتين معاً، و(23 في المائة) مع إتقان اللغة الأم أولاً(12). وتلك عينة من تحدّيات تعليم العربية كما هو واضح من هذه المعطيات الكاشفة عن حقائق يتوجب التعامل معها بما يلزم من حزم وعـزم وتصميم على ردّ الاعتبار للغة العربية.

وقد أثبتت الدراسات التي قام بها الخبراء التربويون، أن العزوف عن تعلم اللغة العربية، سواء في الداخل أو في الخارج، مصدره الأساس، هو ضعف الأساليب التي تستخدم في تدريسها وافتقارها إلى وسائل التشويق والترغيب. وهذا الأمر هو في حـدّ ذاته، أحد التحدّيات التي تواجه تعليم العربية في العالم العربي.

وللمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو- دور فاعل ومترابط الحلقات، في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وتطوير طرائق تدريسها ووسائل تعليمها، داخل العالم الإسلامي وخارجه، يشكل أحد أبرز المشاريع التي تقوم المنظمة بتنفيذها منذ إنشائها سنة 1982. ويؤكّد ميثاق الإيسيسكو وسائر وثائقها المرجعية الأخرى، مثل خطط عملها متوسطة المدى والثلاثية واستراتيجياتها القطاعية ـ وخاصة منها في قطاعيْ التربية والثقافة ـ الترابطَ الوثيقَ بين اللغة العربية والثقافة الإسلامية. وتعبّر الإيسيسكو، في هذا الإطار، عن وعيٍ عميقٍ بالدور بالغ الأهمية الذي تنهض به اللغة في تقوية المناَعة الثقافية والحضارية للشعوب الإسلامية بشكل عامّ، وفي تعزيز التبادل الثقافي والعلمي والاقتصادي بينها والتأسيسِ لحوار متكافئٍ بين أبناء الثقافات المتنوعة في عالم يزداد فيه انفتاح الشعوب والأمم والحضارات بعضِها على بعضٍ، بفضل التكنولوجيات الاتصالية، كما تتفاقم فيه التوتراتُ والاعتداءات الوحشية على الأبرياء وتتعالى أصواتُ المحرّضين على القطيعة والمواجهة والكراهية.

وحيث إنّ مِن مهمّات الإيسيسكو التنسيقَ بين الدول الأعضاء وتيسيرَ تبادلِها للتجاربِ الناجحة  والمبادراتِ الرائدة، فقد عملت المنظمة منذ إنشائها، على دعم المشاريع والبرامج الرامية إلى النهوض بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ووضع ما يتوفر لديها من خبرات تربوية متخصصة ووسائل عمل حديثة في هذا المجال، في متناول الدول الأعضاء غير الناطقة باللغة العربية ومؤسسات المجتمعات الإسلامية خارج العالم الإسلامي، مما أسْهَم، ولا يزال، في بناء القدرات التربوية الوطنية في هذا المجال، وتأهيل الأفراد والمؤسسات لاكتساب الكفايات والمهارات التربوية اللازمة واستثمار الوسائل التعليمية الحديثة والناجعة، لتعزيز تعليم العربية ومواجهة التحديات الناتجة عن ذلك.

وانطلاقاً من الخبرات المتراكمة في هذا المجال الحيوي، ورعياً للتحديات التي تواجه تعليم العربية على أكثر من صعيد، فقد تركّزت جهود الإيسيسكو في هذا المجال التعليمي، على ثلاثة محاور، هي : محور التعليم والتكوين والتأهيل والتدريب التدريسي للقيادات التربوية العاملة في هذا المجال، من خلال مراكز التكوين المتخصصة والدورات التدريبية وأوراش العمل وإيفاد الأساتذة، ومحور الدعم الفني للمؤسسات والبرامج والهياكل التربوية، ومحور الكتاب المدرسي والوسائل التعليمية والدراسات المتخصصة. ومن الدراسات التي أصدرتها الإيسيسكو في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها:

ـ تقويم برامج إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها، د. علي مدكور.

ـ تعليم العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه، د. رشدي طعيمة.

ـ منهج الإيسيسكو لتدريب معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها، د. إسحاق الأمين.

ـ منهج تعليم اللغة العربية للتعليم الأساسي في دول الساحل الإفريقي، د. يوسف الخليفة أبو بكر.

ـ المنهج التوجيهي لتعليم أبناء الجاليات الإسلامية التربية الإسلامية واللغة العربية، د. محمود كامل الناقة، ود. فتحي علي يونس.

ـ طرائق تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، د. محمود كامل الناقة، ود. رشدي طعيمة.

ـ تعليم اللغة اتصاليا بين المناهج والإستراتيجيات، د. محمود كامل الناقة، ود. رشدي طعيمة.

وقد خلصت الإيسيسكو من خلال تجاربها في هذا المجال، إلى الحقيقة التالية، وهي أنَّ تحدّيات تعليم اللغة العربية، هي في عمقها وأبعادها وانعكاساتها، من جنس التحدّيات التي تعرقل نهضة الأمة العربية الإسلامية، وتعيق نموّها في المجالات كافة، حتى وإن كان الأمر يبدو من ظاهره بخلاف ذلك. والحق أن الضعف الذي يعاني منه تعليم اللغة العربية هو بشكل عام، من الضعف العام الذي يُـوهـن الأمة ويفقدها صلابتها ومناعتها؛ لأن اللغة من مقوّمات الصمود، ومن مستلزمات القوة؛ فاللغة تتقوَّى بتوسيع رقعة نفوذها، وامتداد مساحة انتشارها وتعميم رواجها على الألسن. فاللغة هي القوة الناعمة، كما يعبرون اليوم عن الثقافة والفكر والأدب والفنون والإبداع بصورة عامة. ولذلك كان تحسين شروط تعليم العربية، هو من الأسباب الكفيلة بالردّ على التحدّيات كافة، وليس على تحدّيات تعليم العربية فحسب.

فبقدرما تتحسّـن شروط التغلّب على الصعوبات التي تعترض تعليم العربية على جميع المستويات، تتيسَّر السبل لمواجهة التحدّيات بكل أنواعها من أمام تدريس العربية، وتشويق النشء فيها، وتحفيزه إلى الاقتراب منها، وتشجيعه على الاندماج فيها، وتقوية انتمائه إليها.

وتلك هي الشروط الموضوعية للتعامل مع هذه المعادلة الصعبة والمعقدة ومعالجتها وكسب رهانها في المدى القريب، ضماناً للمستقبل المزدهر للغتنا الجميلة. ورحم الله المفكر المبدع لعلم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون، الذي قال في مقدمته الضافية الشاملة الجامعة العميقة: « إن غلبة اللغة بغلبة أهلها. وإن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم»(13).

 

 

 

(12) د. نجلاء نصير بشور، اللغة الأم من منظور تربوي، ص 24، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2013.

(13) العلامة عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص : 764، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1988.