(دعوة إلى تعلّم العربية بالقراءة) للأستاذ الدكتور محمود الربيعي.


دعوة إلى تعلّم العربية بالقراءة

                                                                           الدكتور محمود الربيعى

     من الذى علّم الطير أن يطير، والسمك أن يسبح؟ نقول: إنها غريزة الطير أن يطير، والسمك أن يسبح. لكن الأمر يختلف فى حالة الإنسان حين يطير، وحين يسبح. الإنسان لا يطير فى الهواء إلا إذا توفرت له قواعد حاكمة، ولا يسبح فى الماء إلا إذا توفرت له قواعد حاكمة كذلك؛ فمن أين تأتى هذه القواعد؟ تأتى من "تجربة" تعلم الطيران فى الهواء، والسباحة فى الماء. الإنسان لم يجدها قواعد جاهزة، وإنما هى قوانين مستخلصة من عدد هائل من التجارب العملية: يطير ويقع، ويطير ويقع، ثم ينظم طيرانه باستخلاص قاعدة صحيحة من تجاربه التى هى خليط من المحاولات الناجحة والمحاولات الفاشلة، ويسبح فيغوص، ويسبح فيغوص، ثم يطفو، وينتظم له ذلك باستخلاص قاعدة صحيحة للعوم، مستخلصة – بالطريقة ذاتها – من تجاربه العملية الناجحة والفاشلة.

     ومن الممكن أن نقيس على الطيران والسباحة كل نظم المعرفة: المشى، والكلام، والتعامل مع الناس، وكل شىء. فماذا عن تعلم اللغة – ويعنينا فى أمرها بالدرجة الأولى – تعلم لغتنا العربية -؟ هل يمكن أن أصل إلى تعلمها عن طريق حفظ القواعد؟ هل يمكن أن أصبح على معرفة باللغة العربية إذا عرفت أن الفاعل مرفوع، وكذلك اسم "كان" وخبر "إن" فى حين أن "الحال" منصوب، وكذلك اسم "إن" وخبر "كان"؟ واقع الحال يرينا أن حفظة القواعد كثيرون، والذين ينجحون فى تطبيقها قولا وعملا، كتابة ونطقا، قليلون جدا. السبب فى ذلك أننا بنينا تعليم العربية على اعتبار أن "القاعدة" هى "قدس الأقداس"، وأما تطبيقها على المادة اللغوية فيأتى "ثانيا" – هذا إذا أتى! . رعاية القواعد – كما هو حاصل فى تعلم العربية الآن – هو "العمدة"، والممارسة العملية – عن طريق السباحة الحرة      فى بحر النصوص – هو "الفضلة"، والفضلة عندهم تتأخر عن العمدة، لذا يضحى بها عند كل مناسبة، وأحيانا بدون مناسبة، بل إن التضحية بها فى أحيان كثيرة يقدم على أنه باب من أبواب الإصلاح، وذلك عن طريق "التخلص من الحشو"     – بزعمهم – وعلى ذلك فأول ما تطاله يد الحذف عادة – بدعوى أنه حشو –    هو "الجوهر"، أى التطبيق العملى، وتكون النتيجة أن متعلم العربية يخجل إن   قال إن الفاعل منصوب، لكنه لا يخجل – أو فى أحسن الأحوال يكون أقل خجلا –       لو كتبه أو نطق به منصوبا. وأنا لا أتحدث هنا بالطبع عن دهاة النحاة،         أو أساتذة اللغة العربية الأفذاذ، هؤلاء الذين أوشكت أعمارهم على نهايتها، إنما أتحدث عن "أصحاب المصالح" فى تعلم اللغة العربية، وهم الملايين من الناشئة والشباب.

     يقولون إن اللغة العربية لغة صعبة، وعلى ذلك فتعلمها صعب! ولن أناقش هذه الدعوى بفحصها من حيث موضوعها من واقع طبيعة اللغة العربية، وإنما أختصر الطريق فأقول: وهل تعلم اللغات الأخرى سهل أو أكثر سهولة؟ ومن الذى قال – سوى الأدعياء! – إن تعلم الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية،           أو الروسية، من الأمور السهلة. لقد قاسيت الأمرّين فى تعلم الإنجليزية، ومع ذلك لا أزعم أننى وصلت فيها – رغم تطاول السنين – إلى الحد الذى يرضينى – هذا مع أننى كنت سمعت كلاما خادعا، أوائل عهدى بتعلمها، أننى يمكن أن أنتهى "من تعلمها" خلال شهور، أو سنة على أكثر تقدير!!. وقد انتهيت الآن إلى      ما أعتقد أنه حقيقى من أن المعرفة الحقيقية باللغات بالذات تستغرق حياة بأكملها. واللغات جميعا بحور لا سواحل لها، وبخاصة إذا كانت ذات طبيعية ثريّة، عميقة مثل طبيعة اللغة العربية. واللغة تعطيك على قدر ما تعطيها، واللغة العربية ليست بدعا بين اللغات.

     وكل "معرفة" فى الدنيا تحصل بشروطها الحاكمة، وأول شرط فى تحقيق نتيجة حقيقية لمتعلم اللغة العربية عندى أن يتوفر عنده "الفضول المعرفى". والفضول المعرفى سلاح من الأسلحة التى فطرت النفس البشرية عليه، وبوسع كل إنسان أن يوجهه إلى حيث يريد. والفضول المعرفى هو التوق إلى أن يعرف الإنسان ما يجهله. التوق إلى المعرفة لذات المعرفة، والابتهاج بتحصيل هذه المعرفة.

    فإذا غاب الفضول الطبيعى أو ضعف، بقيت المصلحة التى تدفع بالإنسان إلى التعلم. وهنا تأتى أدوار المعلمين الذين ينبغي أن يذللوا سبل تعليم العربية في جميع الأحوال، ليقابلوا حاجات أصحاب المصالح، ويقدموا اللغة العربية فى وسائل تعليمية تجعلها تجد طريقها سلسلة إلى الراغبين فى تعلمها، وهذه مسألة طال فيها الكلام، وجربت فيها كل التجارب، ومع ذلك بقى الحال لا يرضي أحدا. وإذن، فلا بد من تجربة ما لم يجرب، واتخاذ القرارات الجريئة فى هذا الصدد.

     وأضعف صيحة يمكن أن تصم الآذان هى صيحة "التيسير"، وهى صيحة مبنية على المقولة الفاسدة التى أشرت إليها وهى صعوبة العربية من بين لغات الأرض. ومن الغريب أن دعاة التيسير يفكرون فى البتر لا فى العلاج، فهم أشبه بالطبيب الجهول الذى يظن أن التخلص من العضو المصاب هو أيسر السبل لإزالة شكوى المريض. مرة نخاصم سيبويه، ومرة ننادى ببتر المثنى، أو الإبدال والإعلال، كأن اللغة حقل تجارب، ونحن نتخير المحذوف والمتروك منها على ما نحب، وعلى أساس مزاجى أو موسمى. كلٌّ يمد يده، ويقتطع ما يراه دون مراعاة لحرمة هذا الجسد العزيز. وينسى هؤلاء أنهم بفعلهم هذا يكرسون فكرة: "تقديس القواعد" ويوهمون المتعلمين أن الحلول تكمن فى تبسيطها. ومرة نلتمس علة تخلف تعليم اللغة العربية فى ازدحام قاعات الدروس، أو فى بؤس الكتاب المدرسى، أو فى نقص تأهيل المعلم. وقد يكون كل ذلك صحيحا، لكنه عندى عرض المرض لا جوهره. وجوهر الداء فيما أرى يكمن فى ما افتتحت به كلامى، وهو غياب "ما هو طبيعي" فى منهج التعليم لدينا، وهو تقدم القراءة، وتنحى تلقين القواعد.

     لماذا لا نعتمد القراءة الحرة وسيلة للتعليم؟ أنا أعلم بعض الأسباب، ويعز علىّ معرفة بعضها الآخر. أعلم مثلًا أن هذا منهج لم يتأهل المعلم نفسه له،    وذلك لأنه هو نفسه تعلم عن طريق التلقين، وتقديس القواعد، لا عن طريق إدمان القراءة، وعلى ذلك "ففاقد الشىء لا يعطيه"، و "الإنسان عدو لما يجهله" وأعلم    أن المدرس الفطن المكترث المؤمن بنهج التعليم عن طريق إلقاء التلاميذ فى بحر القراءة، ليس مطلق اليد فى فعل ذلك، ولو فعله لتعرض لمؤاخذات أخفها "مخالفة المنهج"، وقد تفضى إلى اتهامه بإفساد عقول التلاميذ. وأعلم أن التلاميذ الذين لم يتعودوا على القراءة سيقاومون هذا العبء الذى يبدو ثقيلًا غير محبب، وسينقلون ذلك لآبائهم الذين سيهبون للدفاع عن أبنائهم الذين تفرض عليهم هذه الواجبات الغريبة، وسيجد المعلم الفطن المكترث نفسه آخر الأمر فى دائرة المساءلة، ومتهما بالفوضى، ومبعدا إلى أقاصى الأرض، وملقنا الدرس الذى يلقنه كل الخارجين عن السرب فى كل زمان ومكان.

     وأعلم أن القراءة فاتنة، وأنها قد تأخذ التلاميذ بعيدًا عن ألوان أخرى من النشاط – قد تكون تافهة أو ضارة لكنها فى المنهج التلقينى تحتل مكان الصدارة، ومن ثم فواجب القائمين على تعليم العربية أن يعيدوا التلاميذ المفتونين بالقراءة إلى عدم "تضييع وقتهم"، والانصراف إلى ما يرونه التعليم الحقيقى، من عدم الخروج على "المنهج"، ومن عدم التفريط فى "حفظ" القواعد "قدس الأقداس".

     إن المسئول الأول عن التعليم فى بلدى يبشر التلاميذ بشكل موسمى، عشية كل امتحان – وبخاصة فى الثانوية العامة – بأنهم لن يسألوا فى شىء خارج المنهج – والمنهج يخلو من القراءة، ودعك من ذر الرماد فى العيون باسم كتاب القراءة الحرة وغيره – وهذا شىء معلن على أوسع نطاق، ومتردد فى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية. ودائمًا نسمع أن الأسئلة فى مستوى التلميذ العادى، كأن كد الذهن محرم، كأن إرهاق العقول لتصل إلى أفكار أو خيالات جديدة – قسوة ينبغى تجنبها، أو كأن مسئول التعليم الأول – وهذا واضح – يقف حجر عثرة في سبيل التعليم الحقيقى؛ ذلك أن التعليم الحقيقى جدير بأن ينشئ الذكاء فى الأذهان العادية، بل إنه قد يحول الأغبياء – إن أحسن تعليمهم – إلى أذكياء ولكن المسئول بفعله هذا يعلنها مدوية: نحن لا نتعامل مع الأذكياء!!

    إن تحول تعلم العربية من طرائق التلقين، واعتماد القراءة – لا حفظ القواعد – محتاج إلى ثورة فى العقلية قبل أن يكون تغييرا فى الإمكانات، من كتب، وإعداد فصول، ومدرسين، ومناهج .. إلخ. إنه محتاج إلى تغيير فى عقيدة المعلم، والمتعلم، والقائم على التعليم. والتغيير الجذرى عادة يلقى مقاومة، والمقاومة تأتى من كل الجوانب المعنية؛ التلاميذ، والأساتذة، والآباء، والمسئولين، وكل له تكأة يتكئ عليها، لكن النتيجة التى نشهدها، وهو تدهور التعليم جملة، وتعليم اللغة العربية بصفة خاصة، يحتم أن يفرض هذا التغيير على غير رغبات كل من يركن إلى الوضع القائم، مهما كانت الأسباب والذرائع التى تقدم له.

    وأول ما ينبغي فرضه التضحية – دون ندم – بهذه الكتب المدرسية البالية التي تعيد إنتاج آثارها الضارة عامًا بعد عام، مع الأحاديث السمجة المملة التي تصاحب ذلك من تعديل المناهج، أو تطويرها، أو تخليصها من كذا وكذا. الواقع   أن ما نطالعه في الكتب المدرسية لا يمت بصلة إلى "المعارف"؛ إنها صنفان، صنف يطلق عليه "كتب الوزارة"، وهو ركام من المعلومات (ولا أقول المعارف)   يقدم لسد خانات لا يعلمها إلا القائمون عليها، ويكرر بعضها بعضًا بالطرائق ذاتها التى تجعلها مستغلقة، وتحمل فى طياتها كل عوامل الانصراف عنها. وصنف يطلق عليه "الكتب الخارجية"، وهى سموم بثت لتساعد على تشويه المعلومات، وغشها، بغية إعدادها لتكون جرعات تزيد الطلاب جهلًا، لكنها تضمن لهم النجاح في الامتحانات، التي أعدت أصلًا لتلائم العقليات التي وضعت الكتب. وإذن فهى لعبة جهنمية يعرف أطرافها جميعًا أنه لا علاقة بينها وبين المعارف الحقيقية، وأنها لا تسمن ولا تغني من جوع فى النهوض بتعليم اللغة العربية.

     هل لدى الجهاز التعليمي من الوعى والجرأة ما يجعله قادرًا على إحداث هذا التغيير الجذرى فى تعليم اللغة العربية، وتحمل نتائجه؟ أنا أشك فى ذلك، لكنى رغم شكى لا أرى له بديلا. تغيير المرتكز الذى تقوم عليه الكتب المدرسية من "القاعدة" إلى "النص" ومن "الحفظ" إلى "الإبحار القرائى الحر"، ثم نسيان الصورة المخيفة التقليدية التى تحملها كلمات: "الامتحانات، "الكنترول"، المطبعة السرية" .. إلخ.    ولن تخيفنى أية تهمة توجه إلىّ حين أنادى بترك الطلاب من سنواتهم الأولى    إلى النهائية فى التعليم العام، يقرءون كتبا تلائم قدراتهم بحرية تامة، وإشراف    من بعيد، وتدرجهم فى المراحل حسب حصيلتهم القرائية سنة بعد سنة، وإلغاء الامتحانات جملة، وأزعم أن هذه الطريقة لو اتبعت، واحتشد لها ربع الاحتشاد الحاصل فى تكوين لجان تأليف الكتب، والتدريس العقيم، والتوجيه العقيم، والإعداد للامتحانات، ومطاردة الغش وتسريب الأسئلة، وكل هذه الأمور التى هى ندوب   فى جبين الوطن – أزعم أنها ستأتى بنتائج أفضل كثيرًا، حتى فى مراحل تطبيقاتها الأولى، من النتائج الحاصلة مما يجرى عليه التعليم التقليدى الحالى.

     ولا بد من وقفة – بالطبع – نجيب فيها عن السؤال الأساسى وهو كيف نختار هذه النصوص، ونقدمها للمتعلمين. وقد أشرت منذ قليل إلى أن المتعلمين ينبغى أن نقدم لهم قراءات ملائمة لقدراتهم، غير أن معنى هذه "الملاءمة" محتاج إلى بيان:

     بحر القراءة لا ساحل له، ولكنه – من الناحية المنهجية – محتاج إلى "ساحل"، والاختيار قضية حساسة لا بد أن يقوم بها القادر عليها، المتفهم لحدود آثارها ومراميها. والقاعدة العامة فى هذا لخصها المتنبى فى هذا البيت البعيد المرمى:

     ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا    

                                    مُضِرٌّ كوضع السيف فى موضع الندى

     والعرب تقول: "لكل مقام مقال"، وتقول " البلاغة هى مطابقة الكلام لمقتضى الحال". وإذن فنحن فى هذه الناحية لا نخترع العجلة، وإنما نستخدم تقديرنا الطبيعى فى إنشاء بحور قراءة بسواحل ملائمة لكل حالة؛ وحالة الطفل غير حالة الصبى، وغير حالة المراهق، وغير حالة الشاب" الخ، كما أن حالة الريفى غير حالة الحضرى، وهكذا. والمهم أيضًا أن نكون على درجة عالية جدا من الإحساس بما نختار، ولمن نختار. والمهم أيضًا أن يكون اختيارنا من النصوص اللغوية الابتكارية الإبداعية بغض النظر عن زمانها، ومكانها، والنوع الأدبى الذى تنتمى إليه. ومعنى هذا أن نكف – دفعة واحدة وإلى الأبد – عن الطريقة السمجة التى تترك نصوصًا من نجيب محفوظ مثلاً، وتقدم "لنابتة البلاد" بدائل ركيكة من صنع الموجهين أو أصدقائهم، أو التى تستجيب لنداء اللحظة، سياسيًّا أو اجتماعيًّا، ونختار من النصوص الفجة فى كل الحالات ما يصرف المتعلمين عن اللغة العربية عقليًّا وشعوريًّا.

    إذا اطمأنت النفس إلى أن الإبداع العربى فى شتى فروع المعرفة، وفى شتى الأزمنة والأصقاع، قد نخل نخلاً دقيقًا، واختير منه ما يغرى المتعلمين، على اختلاف أعمارهم وبيئاتهم بالقراءة، فلا بديل عن أن يتاح هذا من أيسر السبل، وأكثرها جاذبية وترغيبًا فى الإبحار فيه، وليتوقف نهائيًّا التعلل بالإمكانات المادية، فكلنا يعلم أن الثوب الجميل ليس هو الثوب الأغلى ثمنا بالضرورة. وإذن فإخراج النص فى ثوب جذاب محتاج إلى "إبداع"، شأنه شأن "إبداع" هذا النص ذاته.

     وإذا تحقق هذا فليرفع المسئولون أيديهم الفولاذية عن أذهان المتعلمين ومقدراتهم، وليتركوا النشء والشباب يتمتعون بالحياة عن طريق التمتع بالقراءة، وليطمئنوهم إلى أن هذه هى طريق النجاح الحقيقية، وليس النجاح بالاستظهار للقواعد فى جو من الرعب، كما أنه ليس التسابق المحموم على الظفر بنصف درجة، أو ربع درجة، تجعله السابق فى الحصول على مكان فيما يسمى – جهلا وافتعالاً – "كليات القمة".

     ألا يدمى القلب ما يشاهده الجميع من أن أساليب التعليم عن طريق التلقين، وحفظ القواعد، يسلم المتعلم من أول يوم إلى أن يسعى إلى معلم خاص بديل يلخص له المادة التي هى بطبيعتها ملخصة بأذواق المؤلفين، ويتدرج فى سنواته حتى يدمن التلخيص، وتلخيص التلخيص، حتى إذا وصل الجامعة وجد الكتاب     – الذى هو تلخيص – فحوّله إلى مذكرة وهى تلخيص التلخيص، وحول له تجار التعليم "المذكرة" إلى "كبسولات" تباع علنا ليتجرعه سما يتقيؤه فى الامتحانات.    ثم يجىء المسئولون فيتبنون – تحت مسمى يثير السخرية، لأنه من أسماء الأضداد – هو مسمى "الجودة"، فيحولون المادة الأدبية مثلاً التى هى ألفاظ وجمل وتراكيب وأساليب وصور ومجازات وأخيلة تفضى إلى دلالات، إلى صناديق صماء، مقدمة فى الاختبارات على شكل يفرغها من جميع خصائصها الحيوية، ويحولها إلى خانات بطريقة "املأ الفراغات الآتية" – ذلك شىء حدث ويحدث، ويشهد به كل أحد، وقد رأيت أنا نفسى نماذج منه، وينبغى على من وضعه، أو وافق عليه، أو روّج له، أو حتى قبل به، أن يراجع نفسه، وأن يدرك حجم التخريب – فى الحال والاستقبال – الذى يحدثه مثل هذا الصنيع.

     إذا كنا سنلقى بالمتعلمين إلى بحر القراءة، ونعلمهم عن هذا الطريق، فما دور المدرس، والموجه، والإدارى، وما دور هيئات الامتحانات. أنا أدعو إلى قلب الهرم فى إحكام قبضة هؤلاء على شئون التعليم؛ فيصبح المتعلم هو قلب العمل، ويليه مدرسه، وأما الموجه فيوجه من بعيد، وأما الإداريون فليسوا سوى أناس يضعون أنفسهم فى خدمة هؤلاء، وتبقى هيئات الامتحانات هيئة تسجيل ورصد، مقصور عملها على تلقى ما ينتهى إليه المتعلم والمعلم (الذى أفضل أن أسميه "المرشد")، وتسجيله ليس غير.

     لقد آن الأوان لتجريد كلمة "الامتحانات" من رهبتها الفارغة، وهيمنتها المزعومة، وصورتها المرعبة فى النفوس، كما آن الأوان لإتاحة جو هادئ آمن للتعلم، يتم فى رغبة، ومتعة، واحترام للتلميذ، وجعله – "قطب الرحى _ وتحجيم سلطة المدرس حامل العصا، أو "مانح" درجات النجاح والرسوب والرأفة، وتعظيم دور المرشد الموجه الحانى المكتفى بقيمته الطبيعية عن أن يلتمس له قيمة     عن طريق التخويف، والمكتفى بما تقدمه له الدولة عن أن يطرق أبواب منازل تلاميذه ليلاً ونهارًا لتلقينهم – ولا أقول لتعليمهم.

     لقد تحول دور هيئات الامتحانات – بل ووزارة التعليم كلها – إلى دور رقابى، مهمته مطاردة الغش الفردى والجماعى وتسريب الأسئلة، وآن الأوان للتخفف    من هذا العبء كله، والتخلص من كلمة "الامتحان" جملة كما ذكرت، والبحث عن كلمة أخرى مناسبة يكون معناها الإرشاد، والرعاية، والتأكد من أن مسالك المعرفة تجرى فى مساراتها الصحيحة، وضمان المتابعة بوسائل ملائمة، تمنع من انحراف التعلم "بالقراءة الرشيدة" – مما أدعو إليه – إلى مما يتناقض مع أهدافه،        ثم البحث عن قواعد بديلة لما يجرى عليه العمل الآن تضمن تدرج المتعلم فى مراحل التعليم، وتحقيق العدالة فى مراتب المتعلمين طبقًا لاستعداداتهم، وجدهم، وإمكاناتهم الفطرية والمكتسبة.

     ولست فى حاجة إلى القول إن نصوص "القراءة" ينبغى" بعد اختيارها، ووضعها مواضعها، بكفٍّ صناع، أن تقدم إلى عشّاقها فى الثوب القشيب الذى يؤكد أن الشكل والمضمون إن هما إلا وجهان لعملة واحدة، وإن أناقة المظهر    من أناقة المخبر، والعكس صحيح، ولست فى حاجة أيضًا إلى القول إن المراحل الأولى للتعلم بالقراءة ينبغى أن تحظى فيها النصوص بالضبط الكامل، وأن تعطى "القراءة الجهرية" أولوية مطلقة، وأن تدرب الحناجر كما تدرب الأذهان، وأن تبرز موسيقى اللغة العربية وعناصر بلاغتها وعبقريتها على أيدى أهلها – معلمين ومتعلمين – رويدا رويدا، دون كلل أو ملل، ودون التفات إلى الوراء، أو بكاء   على الأطلال، ودون تعبد بنوع أو آخر من أساليب العربية، ودون إغفال لما يقوله طه حسين من أنها ملكنا، وأن من حق المالك أن يتصرف فيما يملك.

    لقد كانت العربية لغة الماضى، ونحن نريد لها أن تكون  لغة المستقبل      بعد أن أخفقنا فى أن نجعلها لغة الحاضر. ولا بديل أمامنا إن أردنا ذلك أن نجرّب فى أمرها ما لم يجرب، وأن نكف عن ترقيع الثوب الذى أصبح غير قابل للمزيد من الترقيع لأنه تحول كله إلى رُقع. وأسأل: إذا كنا نعترف جميعًا – أساتذة ومتعلمين وإداريين وآباء وأمهات – بأن حال اللغة العربية فى التعليم لا يسر عدوا          ولا صديقًا، فما الذى نخسره إذا ضحينا بالطريقة العقيم التى يجرى عليها العمل   فى تعليمها، وتحولنا إلى طريقة أخرى؟ إننا فى أسو الفروض لن نخسر شيئًا، وذلك لسبب بسيط هو أنه – وبكل أسف – لم يعد لدينا شىء نخسره.

     أقول هذا لأصف الواقع المشاهد، وأكون سعيدًا إذا فاجأنى أحد بأن ما أراه من حال اللغة العربية فى التعليم لا يطابق الواقع، وأن الأمور تجرى فى فصولها الدراسية، ومناهجها، وكتبها المدرسية، ومؤهلات معلميها، على ما يرام. أقول أكون سعيدًا، لكن يبقى عندى – حينئذٍ – سؤال بسيط: إذا كانت أحوال لغتى فى التعليم على ما يرام، فما هذا الذى أراه حولى فى كل "منتجات" هذا التعليم، من حالة متردية أسمعها وأراها فى كل مكان تتجلى فيه هذه اللغة، هذا العزوف الشديد عنها والهرب شبه الكامل منها عند مجموع بنى وطنى، وبخاصة هؤلاء الذين يملكون مقدرات الوطن، ماديا ومعنويا، هؤلاء الذين يدفعون بأولادهم بعيدا       عن العربية، بل يدفعون بهم إلى الهجرة، وترك الوطن جملة؟

     كنت أتحدث مرة فى اجتماع من اجتماعات لجنة اللغة العربية فى التعليم     فى مجمع اللغة العربية، متحمسا لفكرتى هذه فى تمجيد التعليم عن طريق "القراءة" لا عن أى طريق آخر، فنبهنى صديقى الدكتور محمد شفيع الدين السيد إلى أن هذا هو ما عليه العمل فى كتب الوزارة فى مراحلها الأولى، وأن الحديث عن القواعد لا يأتى إلا بعد مرور أربع سنوات من التعلم، فقلت لنفسى: وأسفاه إذن، ما كاد المتعلم يبدأ فى الوعى بجمال عالم القراءة حتى سدّ عليه مسئولو التعليم الباب بإقامة الحاجز الحديدى الذى هو القواعد، وهو حاجز سيقوى مع الزمن حتى يصبح حاجزا فولاذيا، وسنة بعد سنة تنسى القراءة، ولا يبقى ميدانا للجهاد فى تعلم اللغة العربية سوى ميدان القواعد.

     لصديقى الراحل السعيد بدوى – طيب الله ثراه – وتجربته هى ماهى فى تعليم اللغة العربية – كلام لا يمل سماعه فى الموضوع، لذا سأطيل منه الاقتباس؛ يقول:

     "قليل من النحو يصلح اللغة، ولكن الكثير يفسدها". شكا المدرسون بالذات من أن إدماج أسئلة القواعد فى ورقة واحدة مع بقية فروع مادة اللغة، وهى القراءة، والتعبير، والمحفوظات، والخط العربى، هذا الإدماج يمكن التلاميذ من الهروب من القواعد تمامًا. فالطالب الذى يحسن القراءة والتعبير والمحفوظات، ويكتب بخط جيد، يستطيع النجاح، دون أن يعرف كلمة واحدة من القواعد!. وحلا لهذه المشكلة فى رأيهم اقترح المدرسون سدّ هذه الثغرة، وذلك بفصل القواعد بالذات، ووضعها فى باقة مستقلة، يكون الحصول فيها على الحد الأدنى من الدرجة شرطا للنجاح فى الفرقة كلها، وبذلك يتم حصار التلميذ، وإرغامه على مذاكرة القواعد درسا وحفظًا.

    واقع الأمر أن الاعتقاد بأن دراسة القواعد وإتقانها شرط فى البراعة اللغوية – هذا الاعتقاد على الرغم من شيوعه، وعلى الرغم من كونه أحد الأسس الهامة التى يقوم عليها منهج اللغة العربية عندنا – هذا الاعتقاد لا يتفق مع المشاهد، ولا يتفق أيضًا مع الأصول التربوية أو النفسية لعلم التعلم".

      ويمتد قوله إلى المناهج فى أقسام اللغة العربية فى الجامعات فيقول:

"المناهج فى هذه الأقسام هى امتداد للمناهج فى المدرسة، وتقوم على ذات الفلسفة التى تقوم عليها: الحديث عن النصوص، وليست النصوص ذاتها. التعامل مع التراث اللغوى الحقيقى بالواسطة ومن خلال الكتابات المدرسية، أو من خلال الكتاب الجامعى، دون أن يتاح للطالب فرصة الاقتراب من النص الحقيقى وتذوقه وعشقه، ثم المطالبة بالمزيد منه، ومن اللغة التى صيغ فيها".

     ويقول:

    "إذا أردنا أن نكون بارعين فى السباحة فلا بد من التدريب الشاق والطويل على السباحة ذاتها، وإذا أردنا أن نكون بارعين فى الحديث التلقائى بالعربية الفصحى فلا بد من التدريب الشاق والطويل على الحديث بالعربية الفصحى ذاتها.

     إن العملية الجراحية التى لا تشفى المريض هى عملية فاشلة، وطريقة التدريس التى لا تؤدى إلى إتقان التلميذ للغة العربية طريقة فاشلة. وقد آن الأوان لمراجعة دور القواعد فى تدريس اللغة العربية بدلاً من الدوران فى حلقات مفرغة   لا تجدى، من التخفيف، والحذف، والاختصار، وكلها أمور قد جرّبت كثيرًا من قبل دون أية فائدة تذكر".

     ويقول:

     "إننا قد جربنا لقرون عدة – لإصلاح اللغة – ترياق النحو العجيب، ولكن دون فائدة تذكر؛ إذ يبدو – والعلم عند الله – أن عقول التلاميذ قد اكتسبت مناعة ضده فلم يعد يؤثر فيها.

      والسؤال الذى يطرح نفسه علينا إذن هو: إذا سلّمنا جدلاً أن دروس النحو فى منهج اللغة العربية ليس هو العلاج للضعف فى اللغة العربية، فما العلاج إذن؟ والجواب الذى أعرضه اليوم هو: إن العلاج الضعف السائد فى اللغة العربية اليوم لا يكون إلا بالقراءة.. القراءة الكثيرة والمستمرة والمكثفة باللغة الفصحى، وفى الموضوعات التى يعشقها التلميذ، ويحب الاستزادة منها. لتكن هذه الموضوعات القصص أو الرحلات أو الصواريخ أو الحشرات أو الفكاهات أو الخرافات .. لا يهم. المهم أن يقرأ كثيرًا.. أن يقوم منهج المدرسة على إلزام التلميذ بكميات كبيرة جدًّا من القراءات فى كل مادة خارج المدرسة، بينما يخصص الوقت المحدد داخل الفصل للتوجيه والمناقشة والإرشاد، بحيث يتعود التلميذ ويتأهل للمهمة الكبرى، وهى التثقيف الذاتى المستمر عن طريق الكلمة المقروءة".

    ويقول:

     "الدروس الخصوصية من عوامل تأخر النمو العقلى لدى التلميذ المصرى.

     هذا بالضبط ما يحدث فى التعليم المصرى: يجلس الآباء والأمهات مع أطفالهم منذ مرحلة الحضانة، أو يحضرون لهم مدرسين خصوصيين، فيمسكون بأيديهم ويقرؤون لهم الكتب، ويجيبون عن الأسئلة، ويرفعون عنهم جميع أنواع المعاناة فى الفهم والتحصيل، فيحرمونهم بذلك من أهم وسيلة منحها الله لنمو الملكات العقلية، والقدرات الذهنية، وهى المحاولة المستقلة والمتكررة للفهم، فيصبحون معتمدين كلية على غيرهم فى التحصيل المدرسى. ويستمر ذلك بالضرورة من مرحلة الحضانة إلى المرحلة الابتدائية، ثم الإعدادية، ثم الثانوية. وفى الجامعة يجدون أنفسهم بالطبع غير قادرين على الاستقلال، فيلجؤون مرة أخرى إلى الدروس الخصوصية ثم يخرجون إلى الحياة فتواجههم مشاكل عملية وفكرية محتاجه إلى الاستقلال فى الفهم واتخاذ القرار، ولكن هيهات! لقد أصبحوا أخيرا من المعوقين فكريا، ولا بد لهم من الاعتماد على الآخرين".

     انتهى كلام السعيد بدوى. وأما أنا فأقول فى الختام إن دعوتى هذه إلى "القراءة"، كل القراءة، ولا شىء غير القراءة، ليست من قبيل المغامرة، وإنما هى دعوة نابعة من قلب المنهج القويم فى تحصيل المعرفة، وإتقان اللغات، وأنا على يقين من أنها لو جربت – وقدمت لها الرعاية اللازمة التى تقدم عادة للتجارب الجديدة – فإنها ستؤتى أطيب الثمار.

   

 

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1-    الهواء للطير، والماء للسمك – ماذا عن السبّاح والطيار؟

2-    متعلم اللغة محتاج إلى اللغة لا إلى قواعدها.

3-    الهرم المقلوب في تعلم العربية فى الحالة المصرية.

4-    هل صحيح أن العربية لغة صعبة؟

     (أسطورتا التيسير والتخلص من الحشو)

5-    سبيل النجاة: القراءة الحرة.

(لن ترضى عنها الوزارة المسئولة:

    - المعلم الذى يريدها يغرد خارج السرب / التلميذ الذى يفتن بها يضيع وقته).

    6- الحاجة إلى ثورة فى العقل وفى المنهج:

       إلغاء الكتاب المدرسى / إلغاء الامتحانات/ الإلقاء بالمتعلمين فى بحر القراءة.

7- كيف ينظم اختيار ما يقرأ؛ وما منهج القراءة الرشيدة؟.

8- أليس مما يدمى القلب:

الكتاب المقرر/ الكتاب الخارجى / الكتاب الجامعى / المذكرات / تلخيص التلخيص / الكبسولات / الامتحانات المدرسية والجامعية التى تضع الأسئلة على طريقة: املأ الفراغات [للتأمل].

   9- امبراطورية السرية وصيرورتها بديلا عن المعارف.